↧
حوار علاء الدين لمونت كارلو الدولية
↧
كلب بلدي مدرب: ثلاثة فصول.
في ليلة من إحدى الليالي، قالت لي جدتي العجوز أن أحضر لها رطلا من اللحم بقيمة قرش صاغ.
حاولت أن أستوعب ما تقول، ولكنها اعتدلت فوق سريرها وأكملت بحسم:
"خليهم 4 رطل لحمة بأربعين قرش علشان سي إبراهيم، وجيب شوية تفاح على عنب على رمَّان وشكَّل براحتك قول بخمستاشر قرش، بصل وثوم وفلفل وخيار وخضار، قول بخمسة صاغ، وشوية جاز وبُن وسجاير كوتاريللي رفيَّع، قول سبعة صاغ، ورطلين سمن ورز وقوطة ودقيق وعيش بتلاتين صاغ، يبقى الإجمالي سبعة وتسعين قرش ويتبقى معاك تلات قروش.. تجيبهم وما تخنصرش.. فاهم؟".
كنت أقيم مع الجدة قبل وفاتها، وكانت تقيم معنا خالتي التي لم تتزوج بعد. جاءت الخالة ساعتها وأكدت لها أن حفيدها الطيب سوف ينزل حالا لإحضار الطلبات وأنه لن يغيب. رضا سي إبراهيم (جدِّي رحمه اللـه) هو الشيء الأهم بالطبع. شدتني من ذراعي وخرجت بي من الغرفة، ووراءنا الجدة التي جلست بهمَّة منتصبة الظهر، ومليئة بالحماس والنشاط.
"شوية وح تنسى.. انزل إنت بقى شوية".
"أروح فين؟".
"روح مطرح ما تروح يا أخي، لو سمعت صوتك ح تفضل تنادي عليك".
نزلت لأ تمشَّى بغير هدى، وصادفت صديقين أو ثلاثة، وفكرنا في أن نذهب للعب الكرة، نادينا على صديق ثالث، وفكرنا في رابع يمتلك كرة: جوافة. محمود جوافة، الذي تأكد اسم شهرته الذي يقاومه حين مر بائع الجوافة بعربته تحت باب البيت، وصدح بالنداء:
"أيوة يا جوافة"، لتبرز أمه من باب البلكونة هاتفة بحنق:
"عايزين إيه م الوله اللـه يقطعكوا..".
لم نجد جوافة، قال لنا أخوه الصغير إنه في مشوار. هكذا قتل موضوع لعب الكرة تماما. تسلَّينا بالبقاء قليلا على ناصية الشارع، وعندما رجعت للبيت، كانت جدتي قد ماتت.
بدا الأمر وكأنه تلبية لأمنية مؤكدة، فقد اتصل بها صديق لي سائلا عني، فقالت له أن يدعو لها، فسألها الصديق ببراءة عن مضمون الدعاء الذي سيكون مستجابا بعون اللـه، قالت:
"ادْعيلي ربنا ياخدني بقى".
بالفعل حدث ذلك، وعانى الصديق بعدها بقليل من أعراض الإسكيزوفرينيا.
هكذا وارى التراب جسد الجدة التي كانت تريد رطل اللحم، وعندما وقفت في العزاء لم أضحك على المقرئ، مثلما يحدث لي عادة، كل ما ملك تفكيري ساعتها، فيما أتذكر، أن الجدة العجوز قد أحكمت حسبة الجنيه فعلا، وأنها قد رحلت إلى لقاء ربها ظانة أني قد "خنصرت"الثلاثة قروش.
وبعد قليل من الحزن والصراخ، صارحتني خالتي سمية بأنها تريد الزواج من المهندس محمود الذي يقبع في محل لقطع غيار السيارات غير بعيد عنا، والذي أتي لدفع تكاليف "الدفنة"و"الخارجة"بشهامة لا يتورع عن إبرازها بوضوح لتلقي المديح، وبملامح قديس مضحٍ.
قالت لي الخالة إن الأسطى قال لها إنه لا يصح طبعا أن يقيم معهما شاب. كنت يتيما تقريبا: ماتت والدتي منذ أمد بعيد، وأبي كان يعيش في مدينة أخرى بعيدا. قال لها إنه يمكنني أن أذهب للمعيشة مع أبي. قالت لي إنها رفضت هذا تماما.
"أنت ابن بطني يا أحمد".
وهكذا قالتها مثل محسنة توفيق في ليالي الحلمية، وكنت أنا شاكرا، لأن فكرة الإقامة مع أبي لم تكن شيئا مبهرًا، كنت ابنًا ماتت أمه بعد شهور قليلة من ولادته، وبما أن كل الذكور الذين يتزوجون إناث هذه العائلة - فيما يبدو - يقيمون معهن، فقد اضطر أبي لمغادرة البيت بعد موت السيدة التي كانت أمي. كانت لي جدة للأب أيامها، ولكنها لم تستطع أن تراعيني، وفضلت خالتي وجدتي لأمي - كما فضل أبي كما تستطيع التخمين - أن فرع الأم هو الأوْلى برعايتي. لم أكن ابن بطنها إذا ما تكلمت عن اللحم والدم، ولكنني كنت فعلا ابن بطنها إذا ما فكرت في كل المعاني الأخرى.
قالت لي إنها اتصلت بالأب وأخبرته باحتمالية أن آتيَ له، الأب الذي لم يمانع ولم يتحمس، قال لها إنني يمكنني أن آتيَ وأقيم مع زوجته اللحيمة وأخواتي الاثنين. بالطبع لم أذهب.
مرت الأربعون يومًا وتزوجت خالتي بالباشمهندس، الذي كان سببا في كراهيتي للفنان صباح فخري وللأستاذ السياسي وحيد عبد المجيد، فقد كان يشبههما تماما، بنفس الأنف العجيب والشعر الخفيف المسرَّح للجانب، في محاولة متوسلة لقهر الصلع الذي تفشَّى. زاد على هذا بعض آثار الجديري التي أصابته قديمًا وجعلت وجهه محفرًا في غير موضع.
كانت الخالة مشغولة في فترة تاريخية امتدت لسنتين في طبخ الطواجن التي ترسلها لمكتب الباشمهندس، وكان هو مشغولا بمحاولة التزاوج - علي حد علمي وتخيلي - وبأن يجعل حياتي جحيمًا، ولم يبخل عليّ أبدًا بعباراته الحكيمة التي تبلورت حول بضعة مفاهيم اساسية، كما يمكنك أن تتفكر:
"الواد ده مش ح ينفع يطلع مهندس".
"الكسل اللي أنت فيه ده ح يودِّيك ف داهية".
"أنت حاطط كتب التسالي دي جوا كتاب الدراسات الاجتماعية وعامل نفسك بتذاكر وبتستغفلنا؟".
"خليك في مجلة سمير وميكي دي اللي ح تبوظلك دماغك".
"هو مين الواد أشرف ده؟ وأخته الكبيرة البيضا دي في كلية إيه؟".
"ما تجيب لي علبة روسمان".
حدث جديا أن فكرت في ترك المنزل، وحدث فعليا أن هاتفت أبي فحادثتني حبال صوتية لا أعرفها ولا تعرفني، وتصادف أن تجدني الخالة في شوارع منزوية هاربا، ولكن سرد كل هذا يبدو وكأنه قصة مأساوية مليودرامية وجان فالجان ستايل، لذا فسأرحمك مما يمكنني أن أسوِّد صفحات كثيرة به، وسأقول لك إن بعد السنتين، لم يخيِّب الباشمهندس أملي وكان نذلا، عندما ترك الخالة بسبب عقمها.
كانت تلك الأيام البعيدة هي السبب الذي جعلني مدينا لها للأبد، فقد كانت حسرة عمرها هي أسعد أخبار مراهقتي.
عندما برز من الفراغ أمام البائع، وطلب منه علبة سجائر من وراء خوذته السوداء اللامعة، بذلك الصوت الهادئ، لم يتمالك البائع نفسه ونظر له بدهشة، قبل أن يمد يده ليحضر له ما طلبه.
يعطيه النقود، ويتحرك ماشيا في الشارع، تجاه ما حسبه البائع دراجته النارية القابعة غير بعيد عن المتجر، ولا شك.
ولكن عبد اللـه، مرتدي الخوذة، كان يمشي في هدوء متقدما في الشارع، وهو لا يلوي على شيء.
هذه بالضبط نفس الفكرة التي انتابت كل من رآه في هذا اليوم، بلا شك هو يمضي لحيث الموتوسيكل، فيما عدا بعض من الناس، الذين أدركوا ما يحدث بحكم الظروف فحسب: العم إدريس البوَّاب، الذي بحكم معيشته في نفس العمارة، كان يعرف أن عبد اللـه لا يملك أي موتوسيكل، وقف مراقبا إياه وهو يمشي في الشارع واضعا يديه في جيوبه مصفرِّا، وماضيا في طريقه إلى آخر الشارع قبل أن ينحرف يمينا خارجا عن مدى بصره. يمكنك أن تضيف على هذا سيدة فضولية اهتمت بأن تراقب ذا الخوذة وهو يوقف تاكسيًا في أحد الشوارع، وهو لا يزال مرتديا خوذته، بعدما استمر في المشي لمسافة لا بأس بها وعبر بموتوسيكل مركون بجواره بالفعل.
ويمكنك إضافة سائق التاكسي نفسه، الذي وجد الشاب ذا الخوذة يشير إليه ويقول:
"المعادي؟".
وركب الشاب معه إلى حيث المعادي دون أن ينزع خوذته، حتى عندما أراد التدخين، فقد وضع السيجارة في فمه عبر الفتحة الكبيرة في مقدمتها، ساندا إياها على "حز"الفتحة، فانتصبت إلى أعلى بحكم انخفاض فم عبد اللـه عن الفتحة قليلا، وهي تصدر دخانا كثيفا.
كان خط سير عبد اللـه اعتباطيا للغاية، كان يتمشَّى قليلا فحسب، قبل أن تقفز إلى دماغه فكرة أن يزور صديقًا بعيدًا في المعادي، وعندما ذهب هناك لم يجده، فتمشَّى قليلا في الشوارع الهادئة، وداخله شيء من هدوء النفس، صحيح أنه لم يجعله ينزع الخوذة ليواجه العالم القاسي، ولكنه كان كافيا لجعله يسلم على المارة من حوله أحيانا بلطف، وبنبرة منتعشة فاجأته هو نفسه كما فاجأت المارة عادة.
وعندما رجع، كان العم إدريس قد قام بالواجب، فقد كانت هناك عربة ميني فان صغيرة ترقد بجوار البيت، وعندما اقترب عبد اللـه ليدخل البيت كان هناك ثلاثة من الرجال الأشداء يقفزون عليه، مكبلين إياه ومجرجرينه إلى حيث العربة. كان هذا قرار الأب رغم اعتراض الأم، فقد بلغ إدمان الفتى وعاداته الغريبة حدًا لا يمكن السكوت عليه.
وفي المصحة، قال لي عبد اللـه عن الضرب والسحل اللذين تعرض لهما - والذي اعتبره الاب من ضلالات الفتي - وكيف كان يعامل معاملة الكلاب.
هكذا لم يكن غريبًا في يوم، أن وجدت محمولي يدق بعد الواحدة بقليل، وعندما نظرت للشاشة وجدت اسم عبد اللـه.
"ألـ.."
"أنا هربان! أنا هربان! أنا هررررررررررررر (صوت خبطات متتابعة عجيبة) باااااااااااااااان".
كان عبد اللـه يكلمني من أمام المنزل، وكان يضرب براحته اليمنى الكبيرة على رأسه الأصلع، ويعوي في الطريق.
"اللـه يخرب بيتك استنى…".
وضعت بلوفرًا فوق البيجاما، خرجت إلى الصالة حيث الخالة، نظرت لي متحفزة وهي تقول:
"هو ده الواد الشمام ده تاني!".
"ماعلهش يا خالتي ده غلبان…".
انطلق صوتها في شراسة وبنبرة أوبرالية:
"لااا! باقولك إيه! ده شمَّام ومنحرف! ده يموِّتنا علشان يجيب الزفت اللي بياخده! إنت مجنون ولا إيه!".
ومن الخارج كان عبد اللـه لا يزال يصدح:
"أنا هربااااااااااااااااااااااااااان".
"يا خالتي بس هو ما لوش مكان دلوقت، تلاقيه هربان م المصحة!".
"وكمان هربان م المصحة! وإحنا ما لنا! أهله فين!".
"طيب طيب.. سيبك، أنا نازله".
تركتها ونزلت للشارع، بينما هي تقول من ورائي:
"وإنت إيه يلمَّك ع الأشكال دي؟ إوعَ تكون بتشم ياض إنت كمان…".
كانت ليلة ليلاء، كان هائجًا ومتعبًا في ذات الوقت، وكنت بالبيجاما والبلوفر، ولم تكن خالتي على استعداد لأن يبيت الليلة. اقتسمنا السجائر وكمنَّا في المدخل، فكرت بعدها أن أغيرِّ ملابسي ونمصي في طريقنا لأي مكان، ولكنه فجأة أمسك بذراعي وقد استحالت أصابعه إلى مخالب، وهتف بي:
"ما تسبنيش يا أحمد.. ما تسبنيش…".
"وأنت عامل إيه؟".
بدا لي السؤال غبيا فعلا وهو يجلس أمامي، في الشقة التي استأجرها حديثا بنقود أمه، ليجهز سطرا ليستنشقه. لم يكن سكوته عن سؤالي من باب الأدب والرفق، لأنني أظن أنه لم يسمعني من الأصل. سحب السطر بنشوة كبيرة، وتراجع مسندا ظهره إلى ظهر كرسيه وقد ابتدأت جفونه في الاضطراب. راقبته قليلا، وأنا أشرب من علبة البيرة الصفيحية في يدي، يفتح عينيه ويحك أنفه بظهر يده، قائلا في مرح:
"أخبار القصص السكس إيه يا ماو؟".
كان يعرف أنني أكتب القصص الجنسية، وبدا الأمر وكأنه إضافة لعادة عجيبة تملكتنا قديما: حين كنا نراجع معلومات بعضنا عن نجمات البورنو اللواتي شكلن جزءًا كبيرًا من أيامنا في خوالي الأيام. بدأ الموضوع حين وجدت صفحة الويكيبيديا المخصصة لنجمات البورنو، وقرأت فيها عن تلك الفتاة التي كنا نحبها أيامها. وجدت نفسي أتصل بعبد اللـه بعدها بساعة:
"أحاَّ يا عبد اللـه.. فاكر البت بتاعة الأفلام السكس اللي اسمها كلوي جونز!".
"آه".
"دي ماتت من أربع سنين!".
"آه".
"وكان عندها صرع من وهي 11 سنة! أحاَّ! إحنا كنا بنضرب عليها عشرة وهي بتشيل ف الأفلام وهي عندها صرع أساسا!"
"الدنيا وحشة يا ماو".
هكذا لم يقدر الاكتئاب الذي تملكني لمدة يوم كامل بسبب هذه الحقيقة، كانت الشائعات كثيرة عن موتها بفشل في وظائف الكبد، ولكن يقال -على عهدة دينيس ريتشاردز التي لا تقل جمالا عن نجمات البورنو- إن زوجها السابق شارلي شين هو من قتلها. لم يقدر عبد اللـه هذا التبحر الذي كنت فيه في تاريخ أفلام البورنو، وزمن الفن الجميل في السبعينيات، حيث كانت الأفلام الجنسية تصور سينمائيا قبل ابتذال أفلام الفيديو، كما عبرت شخصية بيرت رينولدز في فيلم بوجي نايتس بقرف. كانت الشخصية لمخرج أفلام جنسية يشعر بالعار لهذا السقوط الفني المريع.
كنت أفكر في هذا وأنا اشعر بأنني "يهودي يكره نفسه"على رأي جولدا مائير عن ناعوم تشومسكي، كان زمننا نحن الجميل هو زمن أفلام الفيديو، وليس أفلام السبعينيات التي قرأت عنها كمراجع أو شاهدت أفلام منها كنوادر، مثل فيلم دييب ثرووت التاريخي الذي مثلته ليندا لافلس "تحت التهديد"مثلما قالت بعد ذلك، قبل أن تتحول لمناضلة ضد أفلام البورنو.
لا يعرف عبد اللـه كل هذا، ولكنني كنت أقدر له عندما أسأله:
"فاكر البت ديفون؟".
"مش دي البت الشقرا أم بزاز كبيرة اللي كانت بتبص ف عين اللي بينيكها وتسبِّل؟".
ويستمر الحوار حول سيلفيا ساينت التشيكية الشقراء، وآريا جيوفاني فتاة البنت هاوس معبودة الجماهير، الأمريكية التي تبدو كالإيطاليات، وإيشا كارييرا الإنتاج الألماني الياباني المشترك، وبريانا بانكس الإنتاج البافاري الأمريكي المشترك، ولاني باربي الكندية التي أشيع أنها تضاجع أخاها، وجينا جايمسون، ملكة البورنو ونجمة أيام الفن الأصيل، إيطالية الأصل التي تبدو كالأيرلنديات، التي تحولت إلى كاتبة يتصدر كتابها "كيف تمارسين الجنس كنجمة بورنو"سوق المبيعات حسب النيويورك تايمز، وظهرت في العديد من من البرامج التليفزيونية والإذاعية، ابنة ضابط البوليس التي كانت ممثلة أفلام إباحية ثم نجمة إعلام، وبالطبع يتذكر لها الجيل فيلم شرطة المطافئ وسلسلة أفلام الجنس التفاعلي. المشهد المشهور في "برايفت بارتس"حينما يجعلها هارلد ستيرن تبلغ الذروة عن طريق الجلوس فوق بيك آب ضخم، بالطبع، مشهد السحاق مع جانين ليندمولدر، فاتنة ذات الأيام التسعينية، الأمريكية التي تبدو كهندية حمراء مهجَّنة مع جريجية، أو كشبيهة لليزا ماري بريسلي. ألهبت جانين مشاعر الجيل العاطفية لعقد كامل بعدما بدأت في أفلام سينمائية عادية في إيطاليا، لتتحول لأفلام البورنو في دور الأنثى العنيفة المتطلبة، والذي بدا حقيقيًا عندما ضربت زوجها الموسيقي في الواقع. ظهرت في "برايفت بارتس"أيضًا كتقدير لأحد أعلام سوق يدر على أمريكا 100 مليار دولار سنويا.
سافانا الأمريكية التي تبدو كأمريكية، والتي يقال إنها انتحرت بإطلاق النار على نفسها بعد حادث سير خلَّف أنفًا مكسورًا، صني ليون الهندية الكندية التي تبدو كهندية، ولكن من كوكب آخر، فخر الجيل، سيدة الاعمال والتي تشعر بالعار لتاريخها كنجمة بورنو.
وهكذا أيضا كان يتذكر ليا دا ميا، نجمة البورنو التشيكية التي كانت عضو فريق السباحة الأولمبي في بلدها، والتي ماتت، كشأن عدد كبير من نجمات البورنو، بورم في المخ وهي صغيرة.
"بس اللـه يرحمها كانت بتشيل من ورا بكفاءة".
يقولها عبد اللـه وهو يلف سيجارة حشيش "علشان يعلِّي"بعدما أخذ أربعة من سطور الكوكايين.
قبل أن تموت ليا، صنعت أختها موقعا إلكترونيا صارحت فيه المحبين بحقيقة مرض أختها، وعن احتياجها لتبرعات تكفي لتغطية ثمن العملية الباهظة الثمن، فقد كابرت أختها واستمرت في العمل كما يليق بالمحترفات حتى وهي في أوائل المرض، ولكنها بالفعل لا تستطيع العمل في لحظتها. الأمر المثير بالنسية لي أنني وجدت رسائل مليئة بالحب على هذا الموقع، من أناس مثلي ومثل عبد اللـه، قضوا بعض من الليالي والأيام ينظرون لجسد التشيكية المدهش، وقضوا أوطارهم وراء تلك الفكرة البعيدة أن يحوزوها في أسرتَّهم يوما ما. ترك لها أحدهم رسالة يبلغها أنه قد تبرع لها بمبلغ بسيط، وأنه شاكر جدا "لكل هذه المتعة التي منحته إياها".
العديد منهن متن ميتات تراجيدية، وهو الأمر المغري لأحدهم، من أولاد الوسخة، أن يقول إن بنات إبليس لاقين ما يستحقن، وابن الوسخة هذا جدير بمصير أحد نجوم البورنو من الأقزام: يقال إن غريرًا قد التهمه في كهف.
"بص، هو المهم إنك عارف تجيب فلوس من لسعة الدماغ دي".
يبدو لي مفارقا أن يتكلم عبد اللـه عن لسعة الدماغ، بينما هو متهدل هكذا في كرسيه.
تناولت "الجوينت"منه، وأخذت نفسين بعمق.
دخلت إلى حيث قادني علاء، وفوجئت أنه، وبجوار كمبيوتره المعتاد، كان قد رص أربعة كمبيوترات أخرى على طاولة كبيرة بطول الغرفة أمامي.
"هو ده علشان إيه يا لول؟".
وجدت نفسي أتساءل.
نظر إليَّ نظرة من يعرف أن الأمر سخيف، وانطلق كالعادة ليبرر الموضوع:
"فاكر حوار تحميل الطوابع؟".
"علي قناة اليو تيوب؟".
"آه"صمتّ للحظة ثم أكمل:
"آهو أنا جايب الأربعة دول يحملوا معايا..".
"هي نقلة طوب؟".
"لا يا عم دي فعلا بتساعد".
"طب ما أنت ممكن تظبَّط حاجة في الجهاز ده (أشرت لجهازه) بحيث يعمل الشغل كله.. بدل الصرف".
"يا عم مش صرف، كل واحد كلفني… هممممم.. كل كيسة 500 وكل شاشة 300، يعني 800 في 4 يبقى.. همممم… 3200 جنيه.. مش فلوس يعني!".
استرجعت ذكرى بعيدة، حين اقترضت منه ألفين من الجنيهات، وتكاسلت شهرا، فجعلها فضيحة لدي القاصي والداني، ولكنني لم أتوقف عند هذه الصغائر، فقلت:
"ما هو ممكن أقل من الفلوس دي، وكمان تبقى أسهل في جهاز واحد..".
"يا عم أنا اتجننت خلاص".
قالها لي بحسم، نظرت له، تابع:
"تشرب إيه؟".
"بيبسي!".
خرج إلى حيث الثلاجة، رجع بعلبة البيبسي، وجلس أمامي، ليلعب في وجنته مقشِّرا بشرة وهمية عنها.
كان اللول صديقي منذ سنوات بعيدة، كان مخرجًا في إحدى القنوات الخاصة، ولكن حدث ما حدث، واضطر للاستقالة، وبعد الاستقالة اضطر لبيع الشقة الواسعة التي ابتاعها في أحد الكومباوندات الفاخرة خارج المدينة، ولم يكن يسكن بها، ثم اضطر لبيع عربته أخيرًا. وها هو الآن يستمتع بشقته الصغيرة التي نجلس فيها، في اول شارع فيصل.
"بص، الفيلم ده لو اتعمل ح يكسر الدنيا".
هكذا قال بعدما أتم فرك وجنته، كنت أعلم عما يتحدث بالضبط: كانت فكرة قديمة في دماغه، عن شاب رومانسي يحب فتاة ما، ولكن الفتاة تصاب بمرض عضال، فيحدث الفراق لأنها لا يمكن أن تسمح لنفسها بأن يتعلق به وهي تموت.
"غادة الكاميليا يعني!".
هكذا قلت عندما قال لي الفكرة في أول مرة. نظر لي للحظة ثم قال:
"بالضبط.. بس من غير الأب".
"ماشي".
"هو الجو ده اللي بياكل معانا في مصر، إنت عارف".
والآن، يحادثني اللول عن ذات الفيلم، قضى وقتًا لا يستهان به في محاولة إنتاجه ولكن لا أمل حتى الآن.
"ربك كريم".
"لا بجد بقى.. السيناريو اللي كتبته حلو فعلا، وإنت عارف أنا ح اعمله إزاي!".
هو فعلا موهوب فيما أظن، وفيما ظن أساتذته في المعهد، ولكنهم، وفيما يبدو، قد منحوه هذا التدليل الزائد مبكرًا. قال لي مرة، بينما نحن نجلس على القهوة:
"أنت بقى تعرف ويليام شكسبير كان يقصد إيه في روميو وجولييت؟".
"إيه يا لول؟".
"إن جوز عيال هِبل ممكن يوقعوا الكبار ف بعض".
بالفعل، إن راجعت المسرحية، ستجد أن الموضوع كان اعتباطيا للغاية، يكاد روميو الصغير أن يقع في غرام بنت صغيرة أخرى قبل أن يقابل جولييت.
تابع بحماس:
"طب الملك لير؟".
"الحب وحش!".
"الديكتاتور لازم يفضل ديكتاتور، لو بطل ح يطلع دين أمه".
هكذا كان اللول يبهرني دائما بتفسيراته المختلفة، ومن أجل ذلك كنت دائما أحادثه لنجلس ونتحدث، خطر هذا في بالي، فسألته وأنا أجرع من البيبسي:
"طب بالمناسبة يا لول، أنت دايما بتقرا القصص بطريقة تانية، اشمعني غادة الكاميليا اللي غادة الكاميليا؟ طب تطلع هي ولية لبوة فعلا وبتبيعه، أو مثلا هو مش بيحبها بس عايز فلوسها؟".
نظر لي لثانية ثم قال:
"يا عم الناس هنا حمير، مش ح يفهموا اللي أنت بتقوله ده خالص".
"طيب".
"المهم أنا عايز أعمل برنامج الرقص الشرقي ده ونرفعه ع اليو تيوب، ح تيجي التصوير ولا لأ؟".
"طبعا.. بس قولي الترافيك عامل إيه؟".
"حلو، بعتولي النهاردة إيميل صحيح من جوجل، ما تبصلي عليه كده".
يذهب اللول إلى حيث الكمبيوتر بحماسة، يفتح لي الصفحة، ويتركها أمامي لأترجم له ما يريده سيد العالم الجديد منه
……………………………………………………..
حفل توقيع الرواية يوم السبت الموافق ١ فبراير ٢٠١٤، في جناح دار العين للنشر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، سراي ٤.
↧
↧
Aladdin on the new novel for ArabLit.
Novelist Muhammad Aladdin, Building ‘On Our Lives in the 90s and our Nightmares in 2013′
↧
عن بعض المقاهي وعن بعض الكتابات.
↧
احبكِ، في الساعة مرتين…
احبكِ، في الساعة مرتين..
احبكِ وانا آخذ دوائي، ثلاث مرات في اليوم
احبكِ، وانا اذخن سجائري، ربع الساعة تلو ربع الساعة.
احبكِ، وانا اضع ملابسي فوق جسدي، مرتين،
او في حسن الحظ، ثلاث..
احبكِ، كلما ابتسمت، وابتسم، كلما رأيتك.
احبكِ، كلما رأيت ابي، مرتين كل اسبوعين
احبكِ، كلما اغلقت الباب ورائي، مرة او مرتين،
كل يوم، او يومين.
احبكِ، حين ارشف الشاي، كل ساعة، أو كل ساعتين.
احبكِ، كلما قرأت شيئًا، كل اسبوع، او كل يوم، او كل ساعة.
احبكِ، كلما انتظرتك، في شارع ما،
احبكِ، حين يرتجف قلبي، وانا ارى من تشبهكِ، علي البعد،
تقترب..
احبكِ، في الساعة مرتين،
واحبكِ، كلما نظرت إلى مرآتي
كل شهر، أو كل شهرين.
↧
↧
محمد علاء الدين يقرأ من كلب بلدي مدرب.
دار العين- ١٦ مارس ٢٠١٤
↧
انتحار النخبة: قصة حزينة معادة
كثيرا ما تسمع تأوه النخبة من "الجهل"و"الأمية"من أجل تبرير تحالفهم المطلق مع الدولة، وحتى عندما خفت هذه النبرة في السنوات التي سبقت يناير، كانت المعارضة الشرسة التي اعتنقها بعضهم بحكم تفضيل هذه المعارضة لجناح في السلطة عما عاداه، جناح يمثل وجهه الأبرز اللواء عمر سليمان، الذي لم يذهب بعيداً عن تخيل النخبة عن شعبها، عندما قال إن الشعب غير مجهز للديموقراطية. ربما كان أكثر صراحة من النخبة في توقيت مفصلي.
السخرية التي نالتها العبارة وقتئذ، وكون المعارضة تستخدم لفظ "الديموقراطية"بشكل اعتيادي في نزاعاتها السياسية في المئة عام الماضية (وصل الأمر أن المشيرعبد الحكيم عامر قد استخدم هذه الحجة في صراعه مع جمال عبد الناصر وقت النكسة)، منع النخبة من أن تجاهر بتلك الآراء علنية حتي الآن، ومما ساهم في أن يظل الشباب منخدعين بمثل هذه اليافطات المنادية بالديمقراطية من قبل النخبة.
وقد ساهم عمر نظام حسني مبارك الطويل في أن تستغل النخبة "الديمقراطية"في خطابها بأمان ، أي بعيد عن اختبار أو تجريب، حتى تعاملت معهم الأجيال الشابة على أنهم ممثلين حقيقين للقيم التي يدعونها. أصيبت هذه النخبة بصدمة خلال سنوات ما بعد يناير، بشكل تدريجي ومتصاعد، ربما خفف من غلوائها صعود نجم الإخوان المسلمين وبالتالي اضطرت المعارضة لرفع شعارات الديموقراطية ومعارضة الديكتاتور والمطالبة بحقوق كل المصريين في الدستور، وتسللت في هذه الفترة دوعاي الدفاع عن الدولة القديمة عوضا عن تغييرها تماما في أول شهور يناير، حتي وصلنا إلى ذروة تأييدهم للسلطة العسكرية ممثلة في ترشيح المشير عبد الفتاح السيسي.
وفي الشهور الماضية، رأينا النخبة تقود حربًا شرسة على الأخلاقية والسياسية، أو ما درجت على تسميته بالحقوقي والبرجماتي ولكن مثل هذا الدفع ينقصه الكثير جدا من منطقية خطاب السياسة ذاتها: فالسياسة تعتمد على الحشد، فكرة أن تعلن الجماهيرعن رضائها عن توجه سياسي معين، وهذه التوجهات السياسية، في الحقيقة يجب أن تكون أخلاقية وحقوقية أو متشحة بهما على مستوى الخطاب.
حتى أوروبا في سنين الاحتلال اضطرت لصك مصطلح "مهمة الرجل الأبيض"لإضفاء صبغة أخلاقية وحقوقية لازمة لحشد الجماهير وراء المشروع الاستعماري، واستخدامها في مواجهه منتقدي هذا المشروع من القوى السياسية المعارضة، فتسببت مذبحة دنشواي مثلاً في جدل حول مدى "أخلاقيتها"مما أدى إلى معارك سياسية بين قطبي السياسة البريطانية في وقتها. أما في أمريكا اضطر الاستعماريون لخلق ما يسمي بـ"عيد الشكر"للتعبير عن عملية الاستحواذ على الأراضي الجديدة من سكانها الأصليين، و لم يأخذوا غطاء أخلاقيا أو حقوقيا، بل كان دينيا صرفًا، الأمر الذي يذكرنا بحيل السلطة الأوروبية في القرون الوسطى لجمع الجيوش فيما عرف بالحروب الصليبية، للاستيلاء على بقع تجارية هامة.
لا يمكن استخدام دعوى عاطفية ترتكز علي الخوف من "الآخر"لدرجة القتل والتنكيل مثلما حدث في سلوك السلطة المصرية بعد ٣ يوليو، فمثل هذه الدعاوى تستند لحالة طوارئ بعينها يعيشها مجتمع، ولكنها غير صامدة لتكوين سياسة يركن إليها، فالبشر، شئنا أو أبينا، يحبون التحرك بناء على شعور بالرضا عن أنفسهم وعما يفعلون.
يمكن للنخبة الحديث عن البراجماتية السياسية، ولكنها لن تستطيع بيع المذابح طويلا، أو تبرير قمع الدولة المصرية للجماهير التي حشدتها هي من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان، حتى وإن كان ذلك على مستوى الخطاب وحسب.
فسلوك النخبة هذا لن يؤدي إلا إلى انفضاض الجماهير من حولها وخاصة الشباب الذي يتم احباطهم تماماً، مما سيؤدي إلى سعيهم للهجرة إلى الخارج، أو التشرنق حول الداخل، أو محاولة عمل أي شيء حتى لا تلصق بهم تهمة الشباب الفاشل اجتماعيا، والتي تشيعها السلطة عن المعارضة وبالتالي يتوقف كل نشاط سياسي أو نقابي حقيقي في هذا المجتمع.
وانفضاض الجماهير سيعني أن تكون قوة النخبة السياسية مرتبطة برضاء الدولة من عدمه عليها، وتكون بذلك قد أعادت النخبة صناعة أزمتها التاريخية مع الدولة.
لقد تعرضت آمال "الأفندية"في نخبتهم لخيبة أمل عميقة ومتعاقبة، من أول تسمية طه حسين ما حدث في ١٩٥٢ "ثورة"، إلى التحالف التام مع الدولة رغم دمويتها وسلطويتها، وحتى الاختلاف كان يعبر دوما عن تفضيل جناح آخر للنظام.
الأفندية، الطبقة المتوسطة، التي ما انفكت الدولة تحذرهم من "ثورة جياع"لم تحدث في التاريخ البشري إلا في ظل مجاعات حقيقية، هم اللاعب الرئيس في الثورات حتى وإن كانت الشيوعية -واليسار عامة- يأخذون من هذه الطبقة موقفا عدائياً.
إلا أن الواضح أن من يشعل الثورة هم من أبناء الطبقة المتوسطة، قبل أن ينضم لهم الفقراء عادة، ما اصطلحت الأدبيات الشيوعية على تسميتهم بالبورجوازي الصغير، الذي ترعرت قليلا أهميته في الثورة، لحساب حكم "الجماهير الغفيرة"من البروليتاريا، إلا أن الواقع يقول أن أغلب منظري الشيوعية الرئيسيين ذاتهم قد أتوا من طبقة متوسطة، سواء بالميلاد أو بحكم المهن.
لقد كان تحرك الطبقة المتوسطة المتوسطة والمتوسطة العليا في يوم ٢٨ يناير تحديدا هو المعول المفاجئ والحاسم في اسقاط نظام حسني مبارك، الذي لم يتخيل أن يترك المهنيون الصغار، أصحاب الياقات البيضاء، كل مصالحهم المعتمدة على نظام مستقر، من دفع أقساط شقق وعربات وخلافه، من أجل هز هذا النظام نفسه. صحيح أن بدأ جزء كبير منهم في الرجوع إلى حظيرة شفيق مع تدهور الأحوال، إلا أن وجودهم وسط الحدث هو الشيء الذي يتعين على النظام اجتنابه، فهم من يستطيعون بلورة الأفكار بشكل ما بحكم تعليمهم، وهم الوجوه التي قد تحظي بدعم الجماهير، وذلك لأن تقييم الجماهير نفسه قد اعتاد على تفضيل طبقي - وهي حقيقة مؤسفة.
وهذه الطبقة، الأفندية، عندما يتم إحباطها يمكنك أن تتخيل مجالاً سياسياً مهيئاً للديكتاتورية. وهذا ما حدث في مصر في تعاقب طويل لأجيال الواحد وراء الآخر. والأمل بكسر هذه الدورة هذه المرة ملىء بأمل وبتوجس: الأمل في انتصار أجيال جديدة شابة تصعد في وقت استثنائي فيه العالم يتغير فعلا في ظل تطور تكنولوجي غير مسبوق، والتوجس في أن مثل هذه الأجيال التي صعدت في لحظة حاسمة في هذا التاريخ المنظور، قد فقدت أي ثقة بنخبتها وعلمانيتها تماما، وهو الذي حدث بشكل مضطرد منذ ١٩٥٤ ثم بشكل أكبر في ١٩٦٧، وقد تكون هذه مرة حاسمة، ومأساوية.
ولكن يبقي الرعب أن تنهزم هذه الأجيال الصاعدة في تكرار مؤلم لما حدث طيلة الستين عاما الماضية
…………………………….
نشر هذا المقال بـ مدى مصر، يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا.
↧
محمد علاء الدين في حكومة منتصف الليل
عن الملكية الفكرية.
↧
Aladdin in Italian- two stories!
Two of my short stories- which so dear to mine, The Voice and The Season of Migration to Arkidea, were published in Italian, translated by my dear friend and translator Barbara Benini on two places, Editoriaraba- a lovely blog which is dedicated to Arabic Literature, and Yallaitalia, a famous italian wen site. I do thank blog MedShake on the ISPI website, an Italian prestigious research institute on international politics, and Islametro, a famous italian web platform, for re- blogging both stories in less than 24 hours.
I do thank the Italian readers for their warm reception.
………..
La Voce
di Muhammad Aladdin
Traduzione dall’arabo di Barbara Benini
Come tutti i profeti, e gran parte dei pazzi, iniziò a sentire una voce, dal tono sicuro, che gli parlava. Quando le profezie raggiunsero un certo grado di affidabilità, la voce era ormai diventata parte della sua routine, un’abitudine. Della follia crescente, invece, non fece mai parola con nessuno.
All’inizio si preoccupò, pensando di meritarsi un posto in una buona struttura psichiatrica e per un po’ fu assillato da quest’idea, ma poi, confortato e rassicurato dai ricordi, si convinse che chi più, chi meno, abbiamo tutti bisogno di un posto in una qualche struttura psichiatrica.
La mattina, si abituò a non rispondere al saluto della Voce per evitare di incappare negli occhi sospettosi della moglie che, un giorno, con noncuranza, gli aveva detto che non c’era nulla di strano se uno parlava da solo e applicò la stessa regola con i colleghi e gli amici con cui si sedeva al caffè.
Provò a prendersela comoda mentre se ne stava chiuso in bagno e si mise a discutere con la Voce della filosofia di vita che gli esponeva, che a dire il vero meritava di essere presa in considerazione. Tuttavia, quando si rese conto che uno dei suoi figli avrebbe potuto udire la conversazione – che deve essere per forza durata molto, dopo quel lungo silenzio – con uno sforzo sovrumano cercò di non risponderle.
La Voce suonava così familiare, così calma e virile; fu sul punto di credere che si trattasse di suo padre, sebbene di carattere non fosse mai stato un tipo particolarmente calmo. Cercò di concentrarsi sulle frasi insolitamente lunghe. Spesso la Voce diceva cose che avevano un che di familiare: in ogni suo racconto o memoria del passato, poteva ritrovare se stesso o la sorella, che suo padre aveva così tanto amato; o lo zio, che si logorò assieme al fratello in dispute senza senso; o sua madre e la complicata vita matrimoniale dei suoi genitori. Tra loro, come per ogni coppia sposata, era impossibile capire bene dove finisse l’odio e dove invece iniziasse l’amore. Tuttavia, non ci fu nulla da fare: come unico risultato della profonda concentrazione, ottenne di versarsi addosso il tè bollente, finendo così per suscitare qualche sorriso malizioso tra i colleghi, che avevano notato la macchia umida sulla patta.
La Voce parlava di cose che, se pur semplici, gli parevano essere le più importanti.
La storia delle biciclette, per esempio: questi cerchi che vanno in giro uno dietro l’altro, il chiacchiericcio dei perni con i cerchioni, le loro ombre, che il più delle volte seguono la ruota, la catena che avvolge la corona, mossa dai pedali. E come l’essere umano sia più evoluto del leone, dato che il re della giungla non conosce le biciclette. Ci fu pure una viva discussione in proposito che, come era ovvio che fosse, fu a caro prezzo: il suo capo andò su tutte le furie, quando lesse nel suo ultimo rapporto che uno dei dipendenti era “un pedale” e lo rimproverò per l’eccessiva rudezza con cui aveva trattato, in un documento ufficiale, un collega.
Comunque la Voce non parlò mai di una relazione familiare né mai vi accennò, ma lui continuò a chiedersi se si trattasse del padre, che finalmente aveva trovato un po’ di tranquillità. Si disse che questa Voce sembrava molto più scaltra e provò un certo imbarazzo ad ammettere che il genitore, solo dopo la morte, aveva trovato pace e saggezza.
E così visse più sollevato, se pur immerso nei debiti contratti per comprare a rate una nuova automobile, cosa di cui il figlio maggiore fu, almeno inizialmente, e per motivi che possiamo comprendere, molto felice. Almeno fino a quando non capì che suo padre non passava un minuto del tempo libero al di fuori della nuova auto. Si accollava volentieri l’onere che comporta possedere una macchina in un quartiere piccolo borghese. Prese a occuparsi di tutte le commissioni di parenti e amici, pagava le rate e il carburante, pur di essere lasciato ogni giorno solo, in compagnia della Voce, sicuro che a quel modo non avrebbe mai più scritto “pedale” in un documento ufficiale, né si sarebbe versato altro tè bollente sulla patta dei pantaloni.
A dirla tutta, la moglie iniziò a guardare con sospetto a queste lunghe e frequenti assenze e così si mise a frugargli nelle tasche, a controllargli le chiamate e i messaggi del cellulare ma, sebbene qua e là avesse scovato il nome di qualche donna, non trovò mai niente di sostanziale e come era naturale che fosse, cominciò a vagliare altre possibilità. Forse si era messo a fumare hashish. La stessa cosa che doveva aver pensato il poliziotto che si era trovato davanti un cinquantenne, che gesticolava e parlava da solo, seduto al volante della sua macchina, parcheggiata in una via laterale. Quando gli aveva chiesto di favorire i documenti, aveva capito che l’uomo era del tutto sobrio ed era rimasto veramente di stucco, ma aveva dovuto lasciarlo andare, senza fargli niente.
Alla fine la moglie, stanca di fingere, l’aveva affrontato di petto: “Si può sapere che diavolo fai, quando sparisci con la macchina?”
L’uomo, come ogni impiegato di basso livello e con una certa anzianità di servizio, trovò difficile rispondere a una domanda formulata in un modo così diretto. “Me ne sto là fuori, seduto a pensare!”
Naturalmente questa sua risposta divenne una sorta di sfottò, che lo perseguitò per il resto della vita: usato dal figlio maggiore, sicuramente per vendetta; narrato con divertimento dalla moglie ai suoi amici e pure lui se lo ripeteva tra sé, per riderci su. Tuttavia non permise mai a questa storia di avere la meglio, durante le lunghe conversazioni con la Voce, Voce che, ormai, aveva preso il controllo su di lui, fungendo da lente d’ingrandimento sulla vita e offrendogli una chiara e comprensibile prospettiva. Ad esempio Magdy, il suo collega, morto in una maniera così assurda. Gli venne addosso un furgone, mentre stava attraversando la superstrada, per andare al lavoro e non si fece nulla: qualche graffio e pochi lividi. Ebbene, mentre stava sorseggiando il succo di canna da zucchero, che si era concesso per ringraziare Dio di quanto era stato compassionevole e misericordioso con lui, si concentrò così a fondo su questo pensiero da non prestare attenzione a come il succo gli scendeva in gola, così si soffocò e morì. La Voce gli disse che il modo in cui era morto, riassumeva l’essenza di Magdy: era stato un uomo così semplice che non c’era voluto un pesante furgone per ucciderlo. E così aveva capito chi fosse veramente Magdy, solo dopo la sua morte.
Dunque, quando la Voce decise, un giorno, improvvisamente, di sparire, ne fu visibilmente turbato.
In principio ridusse la durata dei suoi interventi poi, per un giorno intero, non si fece sentire. Si faceva viva di tanto in tanto, il tono gradualmente si smorzava, i silenzi, tra una frase e l’altra, si allungavano, finché improvvisamente si interruppe, lasciando una frase a metà, mentre lui se ne stava seduto sul terrazzo ad ascoltarla, circondato da dei parenti che erano venuti a trovarlo. Cercò di mascherare l’ansia, ma si ritrovò a sbraitare contro la moglie, perché non gli aveva messo lo zucchero nel tè. Gli ospiti non compresero e così sua moglie, che non trovò mai una ragione a quel lento declino e non capiva perché si chiudesse sempre nel suo studio, appena tornava dall’ufficio. Sua moglie non seppe mai perché lasciò il lavoro per starsene sdraiato sul letto, come un macigno, senza aprir bocca, senza rispondere al tocco della sua mano (ma ne fu felice il figlio maggiore, che poté prendere la macchina ogni sera).
Quando la moglie trovò le pillole di sonnifero, non riuscì a spiegarsi perché mai suo marito le usasse, semplicemente perché non sapeva di una voce, che un tempo gli era stata amica e poi si era placidamente dileguata, per tornare, vibrante, nel sonno. E infatti l’uomo doveva andarla a cercare ogni notte, provando ad allungare quei momenti, solo per tornare a rivedere il mondo come lo vedeva con la Voce. Iniziò ad alzarsi dal letto solo per vagare, intontito, alla ricerca di qualcosa da mettere sotto i denti, per mantenersi in vita o per liberarsi l’intestino e poter ritornare al suo prolungato viaggio.
Poi venne il giorno in cui il sonnifero lo cullò in un sonno ancora più lungo, smise di bere e mangiare e cominciò a fare i bisogni nel letto. Ciò che sconvolse sua moglie non furono le feci e l’urina che sporcavano il corpo del marito, ormai magro come uno stecchino, né la barba incolta o i piedi screpolati. Ciò che maggiormente la sconvolse fu quel sorriso felice, un ampio sorriso, sinceramente felice, che aleggiava sul volto del suo cadavere.
you can see the original, along with an interview, here
……………..
La stagione della migrazione ad Arkadia
you can see the original here.
.
I do thank the Italian readers for their warm reception.
………..
La Voce
di Muhammad Aladdin
Traduzione dall’arabo di Barbara Benini
Come tutti i profeti, e gran parte dei pazzi, iniziò a sentire una voce, dal tono sicuro, che gli parlava. Quando le profezie raggiunsero un certo grado di affidabilità, la voce era ormai diventata parte della sua routine, un’abitudine. Della follia crescente, invece, non fece mai parola con nessuno.
All’inizio si preoccupò, pensando di meritarsi un posto in una buona struttura psichiatrica e per un po’ fu assillato da quest’idea, ma poi, confortato e rassicurato dai ricordi, si convinse che chi più, chi meno, abbiamo tutti bisogno di un posto in una qualche struttura psichiatrica.
La mattina, si abituò a non rispondere al saluto della Voce per evitare di incappare negli occhi sospettosi della moglie che, un giorno, con noncuranza, gli aveva detto che non c’era nulla di strano se uno parlava da solo e applicò la stessa regola con i colleghi e gli amici con cui si sedeva al caffè.
Provò a prendersela comoda mentre se ne stava chiuso in bagno e si mise a discutere con la Voce della filosofia di vita che gli esponeva, che a dire il vero meritava di essere presa in considerazione. Tuttavia, quando si rese conto che uno dei suoi figli avrebbe potuto udire la conversazione – che deve essere per forza durata molto, dopo quel lungo silenzio – con uno sforzo sovrumano cercò di non risponderle.
La Voce suonava così familiare, così calma e virile; fu sul punto di credere che si trattasse di suo padre, sebbene di carattere non fosse mai stato un tipo particolarmente calmo. Cercò di concentrarsi sulle frasi insolitamente lunghe. Spesso la Voce diceva cose che avevano un che di familiare: in ogni suo racconto o memoria del passato, poteva ritrovare se stesso o la sorella, che suo padre aveva così tanto amato; o lo zio, che si logorò assieme al fratello in dispute senza senso; o sua madre e la complicata vita matrimoniale dei suoi genitori. Tra loro, come per ogni coppia sposata, era impossibile capire bene dove finisse l’odio e dove invece iniziasse l’amore. Tuttavia, non ci fu nulla da fare: come unico risultato della profonda concentrazione, ottenne di versarsi addosso il tè bollente, finendo così per suscitare qualche sorriso malizioso tra i colleghi, che avevano notato la macchia umida sulla patta.
La Voce parlava di cose che, se pur semplici, gli parevano essere le più importanti.
La storia delle biciclette, per esempio: questi cerchi che vanno in giro uno dietro l’altro, il chiacchiericcio dei perni con i cerchioni, le loro ombre, che il più delle volte seguono la ruota, la catena che avvolge la corona, mossa dai pedali. E come l’essere umano sia più evoluto del leone, dato che il re della giungla non conosce le biciclette. Ci fu pure una viva discussione in proposito che, come era ovvio che fosse, fu a caro prezzo: il suo capo andò su tutte le furie, quando lesse nel suo ultimo rapporto che uno dei dipendenti era “un pedale” e lo rimproverò per l’eccessiva rudezza con cui aveva trattato, in un documento ufficiale, un collega.
Comunque la Voce non parlò mai di una relazione familiare né mai vi accennò, ma lui continuò a chiedersi se si trattasse del padre, che finalmente aveva trovato un po’ di tranquillità. Si disse che questa Voce sembrava molto più scaltra e provò un certo imbarazzo ad ammettere che il genitore, solo dopo la morte, aveva trovato pace e saggezza.
E così visse più sollevato, se pur immerso nei debiti contratti per comprare a rate una nuova automobile, cosa di cui il figlio maggiore fu, almeno inizialmente, e per motivi che possiamo comprendere, molto felice. Almeno fino a quando non capì che suo padre non passava un minuto del tempo libero al di fuori della nuova auto. Si accollava volentieri l’onere che comporta possedere una macchina in un quartiere piccolo borghese. Prese a occuparsi di tutte le commissioni di parenti e amici, pagava le rate e il carburante, pur di essere lasciato ogni giorno solo, in compagnia della Voce, sicuro che a quel modo non avrebbe mai più scritto “pedale” in un documento ufficiale, né si sarebbe versato altro tè bollente sulla patta dei pantaloni.
A dirla tutta, la moglie iniziò a guardare con sospetto a queste lunghe e frequenti assenze e così si mise a frugargli nelle tasche, a controllargli le chiamate e i messaggi del cellulare ma, sebbene qua e là avesse scovato il nome di qualche donna, non trovò mai niente di sostanziale e come era naturale che fosse, cominciò a vagliare altre possibilità. Forse si era messo a fumare hashish. La stessa cosa che doveva aver pensato il poliziotto che si era trovato davanti un cinquantenne, che gesticolava e parlava da solo, seduto al volante della sua macchina, parcheggiata in una via laterale. Quando gli aveva chiesto di favorire i documenti, aveva capito che l’uomo era del tutto sobrio ed era rimasto veramente di stucco, ma aveva dovuto lasciarlo andare, senza fargli niente.
Alla fine la moglie, stanca di fingere, l’aveva affrontato di petto: “Si può sapere che diavolo fai, quando sparisci con la macchina?”
L’uomo, come ogni impiegato di basso livello e con una certa anzianità di servizio, trovò difficile rispondere a una domanda formulata in un modo così diretto. “Me ne sto là fuori, seduto a pensare!”
Naturalmente questa sua risposta divenne una sorta di sfottò, che lo perseguitò per il resto della vita: usato dal figlio maggiore, sicuramente per vendetta; narrato con divertimento dalla moglie ai suoi amici e pure lui se lo ripeteva tra sé, per riderci su. Tuttavia non permise mai a questa storia di avere la meglio, durante le lunghe conversazioni con la Voce, Voce che, ormai, aveva preso il controllo su di lui, fungendo da lente d’ingrandimento sulla vita e offrendogli una chiara e comprensibile prospettiva. Ad esempio Magdy, il suo collega, morto in una maniera così assurda. Gli venne addosso un furgone, mentre stava attraversando la superstrada, per andare al lavoro e non si fece nulla: qualche graffio e pochi lividi. Ebbene, mentre stava sorseggiando il succo di canna da zucchero, che si era concesso per ringraziare Dio di quanto era stato compassionevole e misericordioso con lui, si concentrò così a fondo su questo pensiero da non prestare attenzione a come il succo gli scendeva in gola, così si soffocò e morì. La Voce gli disse che il modo in cui era morto, riassumeva l’essenza di Magdy: era stato un uomo così semplice che non c’era voluto un pesante furgone per ucciderlo. E così aveva capito chi fosse veramente Magdy, solo dopo la sua morte.
Dunque, quando la Voce decise, un giorno, improvvisamente, di sparire, ne fu visibilmente turbato.
In principio ridusse la durata dei suoi interventi poi, per un giorno intero, non si fece sentire. Si faceva viva di tanto in tanto, il tono gradualmente si smorzava, i silenzi, tra una frase e l’altra, si allungavano, finché improvvisamente si interruppe, lasciando una frase a metà, mentre lui se ne stava seduto sul terrazzo ad ascoltarla, circondato da dei parenti che erano venuti a trovarlo. Cercò di mascherare l’ansia, ma si ritrovò a sbraitare contro la moglie, perché non gli aveva messo lo zucchero nel tè. Gli ospiti non compresero e così sua moglie, che non trovò mai una ragione a quel lento declino e non capiva perché si chiudesse sempre nel suo studio, appena tornava dall’ufficio. Sua moglie non seppe mai perché lasciò il lavoro per starsene sdraiato sul letto, come un macigno, senza aprir bocca, senza rispondere al tocco della sua mano (ma ne fu felice il figlio maggiore, che poté prendere la macchina ogni sera).
Quando la moglie trovò le pillole di sonnifero, non riuscì a spiegarsi perché mai suo marito le usasse, semplicemente perché non sapeva di una voce, che un tempo gli era stata amica e poi si era placidamente dileguata, per tornare, vibrante, nel sonno. E infatti l’uomo doveva andarla a cercare ogni notte, provando ad allungare quei momenti, solo per tornare a rivedere il mondo come lo vedeva con la Voce. Iniziò ad alzarsi dal letto solo per vagare, intontito, alla ricerca di qualcosa da mettere sotto i denti, per mantenersi in vita o per liberarsi l’intestino e poter ritornare al suo prolungato viaggio.
Poi venne il giorno in cui il sonnifero lo cullò in un sonno ancora più lungo, smise di bere e mangiare e cominciò a fare i bisogni nel letto. Ciò che sconvolse sua moglie non furono le feci e l’urina che sporcavano il corpo del marito, ormai magro come uno stecchino, né la barba incolta o i piedi screpolati. Ciò che maggiormente la sconvolse fu quel sorriso felice, un ampio sorriso, sinceramente felice, che aleggiava sul volto del suo cadavere.
you can see the original, along with an interview, here
……………..
La stagione della migrazione ad Arkadia
di Muhammad Aladdin
Traduzione dall’arabo di Barbara Benini
Fu amore a prima vista.
Non troveremmo migliore descrizione del momento in cui Mastro Hamza vide la giacca di pelle marrone scuro – che alcuni, talora, definiscono “bruciato” – che fasciava alla perfezione il corpo del cliente entrato per caso, per fortuna o malasorte, all’interno della sua piccola officina meccanica sul Nilo.
Alcune persone intendono “l’amore a prima vista” come “la chimica” tra due esseri viventi o come pura attrazione sessuale.
L’idea di una reazione chimica tra un uomo e una giacca può anche passare – specialmente se si pensa, per esempio, all’ossessione che un uomo può avere per il suo accendino e all’importante teoria della proiezione in psicologia – tuttavia, l’idea di un uomo che scopa una giacca è, in un qualche modo, bizzarra.
Non troveremmo migliore descrizione del momento in cui Mastro Hamza vide la giacca di pelle marrone scuro – che alcuni, talora, definiscono “bruciato” – che fasciava alla perfezione il corpo del cliente entrato per caso, per fortuna o malasorte, all’interno della sua piccola officina meccanica sul Nilo.
Alcune persone intendono “l’amore a prima vista” come “la chimica” tra due esseri viventi o come pura attrazione sessuale.
L’idea di una reazione chimica tra un uomo e una giacca può anche passare – specialmente se si pensa, per esempio, all’ossessione che un uomo può avere per il suo accendino e all’importante teoria della proiezione in psicologia – tuttavia, l’idea di un uomo che scopa una giacca è, in un qualche modo, bizzarra.
Contemporaneamente, Luza, l’apprendista di Hamza, stava provando lo stesso genere di spontaneo, burrascoso, “naturale” amore per la compagna del proprietario della giacca: la bellissima donna dai seni prosperosi accoccolati in una maglietta di cotone che, in quanto ad aderenza e costo, poteva competere con la giacca incollata al torace del suo amico, mentre il fondoschiena finemente arrotondato, era avvolto in costosissimi jeans attillati, avversari di tutto rispetto su entrambi i piani.
La maggior parte delle persone lo riterrebbero un paragone azzardato, ma per l’incantato Mastro Hamza calzava a pennello: il suo apprendista Luza era profondamente innamorato, come chiunque altro, di quella splendida bellezza dal seno abbondante, arrivata dal lontano – seppur limitrofo – mondo aldilà del ponte, mentre lui era follemente innamorato della giacca.
La maggior parte delle persone lo riterrebbero un paragone azzardato, ma per l’incantato Mastro Hamza calzava a pennello: il suo apprendista Luza era profondamente innamorato, come chiunque altro, di quella splendida bellezza dal seno abbondante, arrivata dal lontano – seppur limitrofo – mondo aldilà del ponte, mentre lui era follemente innamorato della giacca.
Ognuno aveva i suoi motivi, che comunque erano sensati per entrambi: se Luza era stato attratto dalla grazia fisica della ragazza, Hamza era stato vittima della pelle morbida, delle tasche a forma di cuore sul petto – che gli ricordavano quelle dei jeans Lee, una marca popolare tra quelli della sua generazione – della cerniera con il tiretto non troppo piccolo né troppo grande, ben fatto e timidamente lucente, del tessuto stretch che avvolgeva i polsi e il girovita del cliente, della robusta fodera, involontariamente orgogliosa, che teneva insieme ogni parte della giacca, per non parlare della cinghia in pelle, con gli automatici, che girava attorno al colletto appuntito.
Ognuno dei due maschi incantati aveva le proprie ragioni di natura fisica per essere profondamente innamorato, ma c’era un altro importante elemento, che chiameremo simbolicamente “grazia”, nel tentativo di accorciare la distanza concreta da un mero “valore” di natura economica. La bella, infatti, emetteva grazia da tutti i pori, con i suoi costosi occhiali da sole, da cui spuntavano due occhi color miele, truccati alla perfezione e la chioma biondo oro, le cui ciocche ondeggianti le cascavano sulle spalle, solo che la giacca, agli occhi incantati di Hamza, emetteva lo stesso valore.
Per essere onesti, Mastro Hamza provò a mettere freno a questa ossessione concentrandosi sulla riparazione della delicata automobile tedesca del cliente, che si era fermata, inerte, vicino alla sua piccola officina, tuttavia in quei momenti, ben noti a tutti gli amanti, Hamza aveva occhi solo per la sua nuova amata. Di nuovo cercò di annientare quell’ ossessione dopo che il cliente se ne fu andato, cliente che, peraltro, si era dimostrato un grande avaro al momento di pagare, malfidente verso chiunque voglia mettere le mani in tasca ai ricchi.
In ogni caso, come tutti i clienti di Hamza, non era riuscito a evitare il sovrapprezzo del servizio, ma si era sentito felice e orgoglioso di se stesso, che a quanto pare è ciò che conta di più.
In ogni caso, come tutti i clienti di Hamza, non era riuscito a evitare il sovrapprezzo del servizio, ma si era sentito felice e orgoglioso di se stesso, che a quanto pare è ciò che conta di più.
Mastro Hamza cercò di dimenticare il suo amore perduto, ma mentre i vicini parlavano della bella ragazza sexy, domandò in giro con insistenza, dove trovare la giacca del suo amico, tentando di non pensare a quando l’aveva chiesto al cliente e allo sguardo di compassione che gli aveva lanciato senza rispondergli. Hamza se l’era presa con se stesso, per essersi fatto intimidire – come tutti gli appartenenti alla classe operaia, quando si rivolgono a un membro dell’elite – ed essere rimasto in silenzio con il sorriso vago del cliente che gli pesava addosso come un macigno. Le cose non cambiarono finché un amico, solito a sedersi con lui in un piccolo caffè dietro l’angolo, lo vide triste e malinconico. L’amico, un po’ più giovane di lui, non era figlio di un meccanico e non aveva avuto la fortuna di ereditare l’officina di famiglia.
Lavorava come guida turistica abusiva e gigolò, con gli stranieri che gironzolavano per il centro città lì vicino, abituato com’era a quella giungla. La giovane guida stava passando per caso di lì quando la bella e il suo amico si erano fermati. Ovviamente la ragazza aveva catturato il suo sguardo, ma dato che la sua professione si basava sulle apparenze, anche la giacca aveva avuto un suo ruolo nell’attirarne l’attenzione. Disse ad Hamza che un tal genere di giacca si poteva trovare in posti come il City Stars, o da Beymen all’hotel Four Seasons, nel Centro Commerciale Arkadia o in negozi più piccoli sulla via El Gezira nell’isola lì vicino.
Poi arrivò la questione più importante: il prezzo. La giovane guida turistica rispose alla domanda di Hamza con il tono di un Angelo della Morte: una giacca come quella non sarebbe costata meno di cinquemila sterline egiziane, o anche di più. Mastro Hamza non era in uno stato di reale indigenza – e per questo era solito ringraziare Dio – ma era da sempre ossessionato dall’idea di modernizzare la “bella del vicinato”, la vecchia Vespa avuta in eredità da suo padre, una 200cc, una vera bell’italiana che, però, aveva bisogno di riparazioni e di una revisione, almeno secondo lui.
Sua moglie Naìma non era d’accordo, per lei l’intera questione – che poteva costare al budget familiare una cifra ben superiore alle migliaia di cui sopra – era una stronzata: era una “finta bella”, come aveva urlato una volta in presenza di sua madre, non abbastanza saggia da tenere per sé questo giudizio severo, o forse volendo di proposito litigare davanti a lei.
Naìma pensava che il vero oggetto delle loro cure dovesse essere il loro neonato figlio Mahmoud, venuto alla luce tre mesi prima per diventare compagno di giochi di Khadigia – che portava il nome della nonna materna – che da cinque anni giocava da sola. Hamza, però, aveva capito che la solitudine di sua figlia non c’entrava proprio niente e che al contrario si trattava di un altro colpo inferto alla sua indipendenza, un’assicurazione per l’insicura Naìma, consapevole che il loro matrimonio era solo frutto dell’eccitazione delle loro sveltine consumate sulla terrazza del suo palazzo, il tipo di eccitazione destinato a svanire con l’abitudine.
Quando saltò fuori un maschio, bastò a placare l’inconfessata ostilità di Hamza verso l’intera questione, leggermente sollevato dall’orribile sensazione di essere stato imprigionato per sempre.
E così fu che Hamza si innamorò perdutamente e, come in tutte le grandi storie d’amore, c’erano ragioni logiche da renderlo difficile, o addirittura proibito. Di nuovo tentò di non lasciarsi sopraffare dalla questione, cercò di concentrarsi sulla routine quotidiana, lasciando a una parte di se stesso la seguente consolazione e cioè, che una volta cresciuto il bambino, quando Naìma si fosse dimenticata della Vespa e quando avrebbe risparmiato una somma così grande da non averne bisogno, si sarebbe comprato la sua cara amata giacca.
Come in ogni grande storia d’amore, vi fu un’altra coincidenza che assomigliava alla prima: il fato guidò Hamza al Centro Commerciale Arkadia, che non era troppo lontano dalla sua piccola officina, per riparare la macchina di un dirigente. Il pasha, come lo chiamavano tutti, si stava stancando dell’“arroganza” del suo solito meccanico, che viveva nel misero quartiere alle spalle del lussuoso centro commerciale e quando questi gli disse che aveva da fare e non si sarebbe liberato prima di due ore, seguì il consiglio di un suo collega e ne cercò un altro per riparare la sua macchina guasta, parcheggiata nel garage dell’Arkadia.
Il collega del pasha chiamò un amico che a sua volta gli raccomandò Hamza – bisogna ammettere che Hamza ha la reputazione di essere un bravo meccanico – e si prese la briga di portarlo al centro commerciale.
Quando saltò fuori un maschio, bastò a placare l’inconfessata ostilità di Hamza verso l’intera questione, leggermente sollevato dall’orribile sensazione di essere stato imprigionato per sempre.
E così fu che Hamza si innamorò perdutamente e, come in tutte le grandi storie d’amore, c’erano ragioni logiche da renderlo difficile, o addirittura proibito. Di nuovo tentò di non lasciarsi sopraffare dalla questione, cercò di concentrarsi sulla routine quotidiana, lasciando a una parte di se stesso la seguente consolazione e cioè, che una volta cresciuto il bambino, quando Naìma si fosse dimenticata della Vespa e quando avrebbe risparmiato una somma così grande da non averne bisogno, si sarebbe comprato la sua cara amata giacca.
Come in ogni grande storia d’amore, vi fu un’altra coincidenza che assomigliava alla prima: il fato guidò Hamza al Centro Commerciale Arkadia, che non era troppo lontano dalla sua piccola officina, per riparare la macchina di un dirigente. Il pasha, come lo chiamavano tutti, si stava stancando dell’“arroganza” del suo solito meccanico, che viveva nel misero quartiere alle spalle del lussuoso centro commerciale e quando questi gli disse che aveva da fare e non si sarebbe liberato prima di due ore, seguì il consiglio di un suo collega e ne cercò un altro per riparare la sua macchina guasta, parcheggiata nel garage dell’Arkadia.
Il collega del pasha chiamò un amico che a sua volta gli raccomandò Hamza – bisogna ammettere che Hamza ha la reputazione di essere un bravo meccanico – e si prese la briga di portarlo al centro commerciale.
Quando Hamza prese con sé la sua borsa degli attrezzi e, assieme al suo apprendista, arrivò sulla Corniche, un inspiegabile malessere si impossessò di lui. Si disse che doveva essere una specie di chiaroveggente quando, un’ora più tardi, si trovò in uno strano ascensore, che a lui sembrava una capsula antibiotica trasparente, per andare a prendere soldi dal pasha all’ultimo piano. Pasha che non amava pagare il dovuto a nessuno, ma dobbiamo ammettere, per essere onesti e aldilà delle nostre solite critiche nei confronti delle intenzioni dei personaggi, che il pasha voleva veramente invitare Hamza a bere un caffè o una bevanda ghiacciata, solo che, con suo grande stupore, Hamza si aggrappò al suo rifiuto con un no che significava no, non quello finto che gli uomini usano qualche volta con le donne e i ricchi con i poveri.
Mastro Hamza insisteva così tanto nel voler lasciare l’ufficio, aveva così tanta fretta (sebbene questo non gli impedì di contare il denaro con attenzione), da sopprimere anche la leggera obiezione del suo apprendista, il cui no in realtà era un sì: sì a una bevanda ghiacciata o a una delle donne che passavano per l’ufficio – clienti o impiegate che fossero – con le loro gonne relativamente corte che ne svelavano le grazie.
Ancora una volta Mastro Hamza e il suo apprendista furono d’accordo sull’adorare la grazia, solo che l’ammirazione del ragazzo lo spingeva a rimanere, mentre quella di Hamza ad andare via. Tuttavia accadde, mentre si trovava nella capsula antibiotica trasparente, che vide l’amore dei suoi giorni nella vetrina di un negozio di lusso del secondo livello.
Dobbiamo ammettere che le coincidenze hanno giocato un ruolo importante in questa storia, come il fatto che se l’ascensore di servizio non fosse stato guasto, Hamza non avrebbe mai avuto alcuna occasione di essere nel centro commerciale con addosso la tuta da lavoro sporca, la stessa che gli fece guadagnare l’occhiata dall’alto in basso del commesso che, dimenticando il proprio ruolo, rispose con fermezza, proprio come fosse il proprietario, alla domanda ansiosa di Hamza: settemila sterline egiziane.
Dobbiamo ammettere che le coincidenze hanno giocato un ruolo importante in questa storia, come il fatto che se l’ascensore di servizio non fosse stato guasto, Hamza non avrebbe mai avuto alcuna occasione di essere nel centro commerciale con addosso la tuta da lavoro sporca, la stessa che gli fece guadagnare l’occhiata dall’alto in basso del commesso che, dimenticando il proprio ruolo, rispose con fermezza, proprio come fosse il proprietario, alla domanda ansiosa di Hamza: settemila sterline egiziane.
All’interno del negozio, però, accadde che il commesso ebbe la tendenza a riconsiderare il proprio status e così passò da un atteggiamento snob, all’essere geloso del mestiere estremamente remunerativo di Mastro Hamza, come la leggenda metropolitana, di solito a ragione, lo descrive, così rispose alla domanda sulla marca della giacca, pronunciando un nome che Hamza non riuscì proprio a ripetere, ma gli sembrava “Romani”, come il cognome di un suo vecchio amico.
La giovane guida turistica si sbellicò dalle risate quando Hamza gli disse che era una giacca di Romani da settemila sterline. Gli ripeté la corretta pronuncia della marca, ma stranamente Hamza non fece molta attenzione al vero nome della sua amata. Lo pronunciò correttamente una paio di volte e poi tornò a quello che preferiva, il primo: Romani. Potremmo anche aggiungere qui che Hamza non fu per niente soddisfatto della giovane guida turistica, perché il ragazzo gli rideva in faccia anche se Hamza era più vecchio di lui di alcuni anni e guadagnava molti più soldi, ma soprattutto – e questa era la cosa più importante – i suoi guadagni erano frutto del sudore, non dello sfruttamento di vecchie turiste straniere, cui, si diceva, facesse da “accompagnatore”.
Tale risentimento si deve essere mostrato con un gesto di stizza, o un tono severo, oppure questo ragazzo ha un cuore buono – o le tre cose insieme – fatto sta che la giovane guida turistica si offrì di accompagnare Hamza al grande mercato di abiti usati, lì dietro l’angolo, dove avrebbero potuto trovare una giacca simile, anche se vagamente, alla perduta Romani. Conosceva Ashraf, Hamdy e Abdallah, amici e vicini dei commercianti del mercato, forse avrebbero potuto trovargli quello che voleva. Ci sarebbe andato con Ahmed Abdulraùf per aiutarlo a comprare smaglianti abiti di gusto europeo, perché doveva portarlo a una festa a casa di una delle sue “amiche” straniere, nel quartiere di Maadi, il venerdì successivo.
Ovviamente quest’idea frullò nella testa di Hamza per un bel po’, mentre si rigirava nel letto di fianco a sua moglie, che come al solito russava, tuttavia una speranza infantile – lo stesso spirito che lo spingeva ad aspettare le nuove collezioni, per il Piccolo Bairam, al termine del Ramadan – gli dette la forza di resistere: voleva una giacca nuova, nuova esattamente come la giacca del cliente con la bellissima ragazza e la lussuosa macchina tedesca. La voleva così tanto che pensò seriamente di mettersi a dieta, per eliminare quella pancetta che aveva messo su da quando si era sposato. Voleva a tutti i costi assomigliare al cliente, con il suo torace sportivo cui la giacca aderiva alla perfezione, altrimenti avrebbe insaccato la pancia, come faceva suo suocero quando indossava il vestito estivo di taglio maoista.
Talora alcuni pensieri lo distraevano da questo suo chiodo fisso: che senso aveva mettersi una giacca così aggraziata nel suo quartiere povero? C’era forse un posto di lusso dove poterla indossare? Poi però si rammentava dell’esempio del Signor Taìma, il dandy del quartiere, che era solito vestirsi veramente elegante anche quando si sedeva al loro misero caffè dietro l’angolo, ma andò anche oltre, decise di comprarsi una maglietta e un paio di jeans costosi come quelli del cliente, e anche degli scarponi con il rinforzo di sicurezza sulla punta, esattamente come i Redwing, che gli piacevano tanto quando era un adolescente. Così il suo lato infantile costruì un’alta barriera davanti all’idea di una giacca di seconda mano.
Quando la giovane guida turistica abusiva glielo propose di nuovo, aggiungendo quanto costava la giacca, il rifiuto infantile di Hamza si sgretolò un poco, per lasciare spazio a una voce, dal tono apparentemente serio, che rifletteva sulla differenza tra una giacca leggermente usata (quasi nuova, come diceva lei) e una nuova, più costosa del dovuto. La voce grave continuò dicendogli che sarebbe stato veramente furbo se fosse riuscito a trovare una giacca di seconda mano che assomigliasse all’amore perduto e per giunta costasse molto meno.
Questo gli girava in testa mentre aspirava profondamente dalla sua shisha, ascoltando la giovane guida turistica abusiva, seduta vicino all’entrata della sua officina.
Rapidamente Mastro Hamza appoggiò il bocchino della shisha sulla sedia, lasciò il negozio a Luza e uscì con la guida, che chiamò Ahmed, per incontrarsi dietro l’angolo e dare un’occhiata ai banchi del mercato. Andarono da tre commercianti diversi e Hamza era esausto a forza di descrivergli cosa voleva, mentre i due giovani cercavano di aiutarlo e contemporaneamente sceglievano una camicia blu di una marca famosa e una paio di jeans scoloriti per Ahmed. Ognuno dei tre commercianti ascoltò e, se pur invano, cercò in tutti i modi di essere d’aiuto. Mentre stavano vicino al negozio di Ashraf, videro due donne straniere, una matura e una che sembrava sulla ventina: due pesci fuor d’acqua, anche se entrambe davano l’idea di sapere perfettamente come si comportano gli uomini egiziani tra la folla. La giovane guida turistica lanciò ad Hamza uno sguardo di vittoria: anche gli stranieri con le loro valute preziose venivano a comprare nei mercati di abiti usati. Ahmed, invece, stava guardando la ragazza straniera: fantasie volteggiavano nella sua mente al pensiero della festa prevista.
Rapidamente Mastro Hamza appoggiò il bocchino della shisha sulla sedia, lasciò il negozio a Luza e uscì con la guida, che chiamò Ahmed, per incontrarsi dietro l’angolo e dare un’occhiata ai banchi del mercato. Andarono da tre commercianti diversi e Hamza era esausto a forza di descrivergli cosa voleva, mentre i due giovani cercavano di aiutarlo e contemporaneamente sceglievano una camicia blu di una marca famosa e una paio di jeans scoloriti per Ahmed. Ognuno dei tre commercianti ascoltò e, se pur invano, cercò in tutti i modi di essere d’aiuto. Mentre stavano vicino al negozio di Ashraf, videro due donne straniere, una matura e una che sembrava sulla ventina: due pesci fuor d’acqua, anche se entrambe davano l’idea di sapere perfettamente come si comportano gli uomini egiziani tra la folla. La giovane guida turistica lanciò ad Hamza uno sguardo di vittoria: anche gli stranieri con le loro valute preziose venivano a comprare nei mercati di abiti usati. Ahmed, invece, stava guardando la ragazza straniera: fantasie volteggiavano nella sua mente al pensiero della festa prevista.
Ma Mastro Hamza non trovò ciò che desiderava e mentre con frustrazione esaminava la merce che i venditori gli mostravano, la voce infantile tornò a farsi sentire, assicurandolo che nessuna di quelle giacche era alla stregua della sua amata Romani. Hamza infatti non era di certo rapito come lo era stato davanti alla vetrina del negozio dell’Arkadia quando, inchiodato al pavimento, assieme a Luza, aveva ispezionato ogni centimetro della giacca, ricordando come vestiva il corpo del cliente. Aveva osservato la lucentezza della sua fine e morbida pelle costosa, mentre Luza, che lo tirava per andare via, imbarazzato dagli sguardi della folla, si era sorpreso quando Mastro Hamza, al contrario, lo aveva spinto dentro il negozio, secondo lui con una mossa coraggiosa, per chiedere al commesso informazioni sulla giacca.
Mentre Hamza sprofondava nella delusione, un canto lontano lo raggiunse e così, come altri attorno a lui, lasciò quel che aveva in mano per osservare il gruppo di persone, principalmente giovani che, provenendo dalla lunga strada, urlavano slogan contro il presidente e il regime. Molti uomini gli gironzolavano attorno – e Hamza sapeva bene che alcuni erano poliziotti in borghese – con la scusa di registrare, con i loro cellulari, la marcia e le sue insolite invettive. Hamza insieme ad altri come lui, stava osservando attentamente questo corteo, che aveva ormai attirato tutto il vicinato. Abdallah sorrise guardando i manifestanti, poi si girò verso Hamza. Ahmed e la giovane guida turistica maledirono sia il presidente che la folla che cantava: un abile ladro e una manica di imbecilli. Il giovane disse loro che un gruppo di residenti del centro città e molti altri giovani avevano protestato il giorno prima nell’enorme piazza lì vicino, per poi essere inseguiti dalla polizia fino ai quartieri a sud.
Cercarono di ignorare ciò che stava succedendo, ma il canto aumentava sempre di più, mentre il gruppo si muoveva attraverso il mercato, gridando i propri slogan, finché due veicoli blindati della Sicurezza Centrale spuntarono da non si sa dove e si piazzarono davanti al Ministero degli Affari Esteri. Quello fu il momento in cui i lacrimogeni, una strana novità per Hamza e la maggior parte del vicinato, cominciarono a piovere su di loro, mentre il gruppo di giovani si era chinato sul marciapiede mezzo dissestato per spaccarlo in piccoli pezzi da lanciare contro i soldati. Molti nel quartiere, tra cui loro tre, si ritirarono nei vicoli limitrofi, dato che i lacrimogeni non erano riusciti a scacciare la loro curiosità, ma quando ci fu il blackout e le forze di sicurezza inseguirono i giovani negli stessi vicoletti bui, per Hamza e i suoi amici fu tempo di tornare a casa, di allontanarsi da quelle diavolerie dei poliziotti e dalla stupidità dei manifestanti.
La mattina dopo, mentre era concentrato a riparare la macchina di lusso di un altro cliente, Hamza realizzò che si stava tenendo un’altra protesta vicino all’albergo a cinque stelle non lontano da lì. Sembrava che la gente si stesse dividendo in gruppi riguardo all’invito a partecipare alle imponenti manifestazioni previste dopo la preghiera del venerdì successivo: alcuni erano molto eccitati, altri inveivano contro tutto e altri ancora erano indifferenti, come Hamza.
Tutti però concordavano su un fatto: avevano forti dubbi sull’utilità di ciò che stava accadendo e addirittura non erano certi che sarebbe successo. Quando Hamza, quella sera, si sedette al caffè, giravano voci sull’arresto di alcuni ragazzi del quartiere, durante le manifestazioni dei giorni precedenti; si diceva persino che tra loro fosse finito anche chi non aveva nulla a che fare con le proteste, si era solo trovato da quelle parti, al momento degli scontri.
Si conosceva il luogo in cui erano stati portati alcuni di loro, ma altri sembravano spariti nel nulla. Hamza stava ascoltando tutto mentre rifletteva su quanto chiedere al nuovo cliente snob, soppesando l’idea di avvicinare la tariffa al prezzo della sua amata Romani. La giovane guida andò da lui a tarda notte con una bottiglia di whiskey irlandese che aveva avuto da una “cliente”, mentre Hamza preparò due canne di hashish – che in quei giorni era difficile da trovare – una ciascuno. Il ragazzo aveva accompagnato Ahmed da un barbiere che conosceva, lì vicino e gli aveva fatto tagliare i capelli in modo che il suo look facesse buona impressione sugli europei con cui avevano appuntamento il giorno dopo.
Si conosceva il luogo in cui erano stati portati alcuni di loro, ma altri sembravano spariti nel nulla. Hamza stava ascoltando tutto mentre rifletteva su quanto chiedere al nuovo cliente snob, soppesando l’idea di avvicinare la tariffa al prezzo della sua amata Romani. La giovane guida andò da lui a tarda notte con una bottiglia di whiskey irlandese che aveva avuto da una “cliente”, mentre Hamza preparò due canne di hashish – che in quei giorni era difficile da trovare – una ciascuno. Il ragazzo aveva accompagnato Ahmed da un barbiere che conosceva, lì vicino e gli aveva fatto tagliare i capelli in modo che il suo look facesse buona impressione sugli europei con cui avevano appuntamento il giorno dopo.
Il giovane, esitando, disse ad Hamza che la mattina successiva avrebbe partecipato alla manifestazione che si teneva dopo la preghiera di mezzogiorno, mentre la sera, con Ahmed, sarebbe andato alla festa degli stranieri. Dalle narici di Hamza esplose quel tipico grugnito di disapprovazione mista a incredulità seguito a ruota da una domanda: da quando aveva preso a frequentare la moschea? E con che coraggio poteva presentarsi alla preghiera del venerdì, dopo aver passato la notte a bere e fumare? Hamza gli ricordò che per quaranta giorni la sua bocca sarebbe stata impura. La giovane guida turistica abusiva disse che quella regola era un’invenzione e non aveva nulla a che fare con l’islam. Mastro Hamza lo fece tacere con un altro grugnito, seguito da un “vaffanculo!” e da un’altra domanda: com’è che improvvisamente era diventato un manifestante e un uomo pio, contemporaneamente? La combinazione di grugnito, “vaffanculo!” e ulteriore domanda in meno di dieci secondi, bastò a porre fine alla conversazione.
Quando Hamza lasciò il giovane per ritirarsi di sopra, dove montò la moglie per un lasso di tempo che sembrò ore, non stava pensando alla giacca, o alle proteste, o a quando le preghiere possano considerarsi valide. Era eccitato dal viso di una famosa presentatrice di talk show che assomigliava all’attrice sexy Soad Hosny e che lui stava cercando, invano, di fondere con quello di sua moglie. Nel mentre, la sua consorte si stava chiedendo se quel genere di sesso, tra i fumi dell’hashish e dell’alcol, avrebbe mai portato un terzo bambino e se fosse il caso, o meno, di comprare un nuovo passeggino.
Quando Hamza si svegliò, nel tardo pomeriggio del venerdì, tossendo per via dei lacrimogeni che avevano impestato l’aria della sua stanza, sembrava il Giorno del Giudizio. Sua moglie gli stava dicendo che le proteste erano partite da quasi tutte le grandi moschee della città vecchia e che i giovani arrabbiati erano piombati nelle vie laterali, maledicendo il presidente e invocando la caduta del regime e che la stazione di polizia lì vicino era stata attaccata, come era successo a molte altre in città. Stavano tutti soffocando per i gas che piombavano giù da ogni dove, il caos regnava nelle strade da quando i giovani avevano iniziato ad attaccare il ministero.
Il personale di polizia e i loro informatori, assieme ai bulli che usavano durante le elezioni, tutti quanti erano improvvisamente svaniti nel nulla. Quando Hamza scese in strada per vedere cosa stesse succedendo, notò due giovani che con indifferenza si stavano rollando una canna d’erba, poi vide il Signor Taìma, che cercava di conservare un aspetto pulito nonostante le circostanze e gli domandò della giovane guida turistica abusiva. Taìma non ne sapeva nulla e lo stesso risposero tutti quelli cui chiese informazioni sul ragazzo. Si domandò se il giovane fosse veramente andato alla manifestazione, o non si fosse invece addormentato come lui, aspettando, assieme ad Ahmed, la festa delle ragazze straniere. Cercò di telefonargli, ma con sua grande sorpresa scoprì che la linea telefonica dei cellulari non era attiva.
Il personale di polizia e i loro informatori, assieme ai bulli che usavano durante le elezioni, tutti quanti erano improvvisamente svaniti nel nulla. Quando Hamza scese in strada per vedere cosa stesse succedendo, notò due giovani che con indifferenza si stavano rollando una canna d’erba, poi vide il Signor Taìma, che cercava di conservare un aspetto pulito nonostante le circostanze e gli domandò della giovane guida turistica abusiva. Taìma non ne sapeva nulla e lo stesso risposero tutti quelli cui chiese informazioni sul ragazzo. Si domandò se il giovane fosse veramente andato alla manifestazione, o non si fosse invece addormentato come lui, aspettando, assieme ad Ahmed, la festa delle ragazze straniere. Cercò di telefonargli, ma con sua grande sorpresa scoprì che la linea telefonica dei cellulari non era attiva.
L’agghiacciante eco degli spari della piazza non lontana, confuso con il suono sommesso dei lacrimogeni, li raggiunse. Tutto sembrava crollare e fondersi, così, all’improvviso e sempre all’improvviso vide apparire il suo apprendista Luza, trasportato da alcune persone, tra cui riconobbe Abdallah, il proprietario del negozio di abbigliamento nel mercato. Il corpo di Luza era ricoperto di sangue.
Dalla gente che si trovava all’ospedale veterinario lì vicino, dove alcuni medici avevano trasportato i feriti per generosità e senza fare alcun rapporto alle autorità, Hamza seppe che Luza aveva protestato con una folla di giovani davanti alla vicina stazione di polizia e si era preso la sua dose di proiettili. Sua madre Hamìda, che nonostante l’età, era ancora una bella donna e di solito faceva impazzire il padre di Luza, stava urlando a destra e a manca, vicino all’ingresso dell’ospedale, maledicendo suo figlio e i manifestanti, domandandosi se ciò che stavano facendo avrebbe sistemato le cose, o se per caso Luza avesse un padre primo ministro che lo avrebbe salvato dalle conseguenze delle sue azioni.
Anche Hamza stava per imprecare contro Luza ma, quando si avvicinò al corpo, disteso su una lettiga vicino all’entrata, alla vista del volto giallognolo e consumato dal dolore, del sudore che lo ricopriva e delle bende imbevute di sangue su braccia e gambe, si zittì e diede una leggera pacca di conforto al suo apprendista, che lo ricambiò con uno sguardo di gratitudine. Alla fine, però, Hamza lo maledì comunque, a dispetto delle circostanze.
Mastro Hamza sentì molte voci dai ragazzi del vicinato, che giunsero feriti, o in quanto familiari dei feriti, o semplicemente curiosi, ma una sola notizia attirò la sua attenzione anche più dell’esercito che si stava muovendo verso il palazzo della televisione di stato e il ministero lì vicino: gruppi di persone stavano attaccando il Centro Commerciale Arkadia. Alcuni vicini stavano già partendo come missili, sulle loro motociclette cinesi da due soldi o sulle loro costose Vespe, come la sua, diretti all’elegante edificio sul Nilo.
Mastro Hamza sentì molte voci dai ragazzi del vicinato, che giunsero feriti, o in quanto familiari dei feriti, o semplicemente curiosi, ma una sola notizia attirò la sua attenzione anche più dell’esercito che si stava muovendo verso il palazzo della televisione di stato e il ministero lì vicino: gruppi di persone stavano attaccando il Centro Commerciale Arkadia. Alcuni vicini stavano già partendo come missili, sulle loro motociclette cinesi da due soldi o sulle loro costose Vespe, come la sua, diretti all’elegante edificio sul Nilo.
L’immagine della bella, la giacca Romani, tornò di nuovo a occupare la mente di Hamza, quella sottile e fine pelle bruna o “marron bruciato”, le tasche a cuore, la cinghia con gli automatici attorno al colletto appuntito. La bella lo aspettava nell’edificio lì vicino.
Non è difficile immaginare cosa accadde dopo: Hamza corse alla sua Vespa, parcheggiata sul cavalletto, nell’ androne di casa sua, ci salì sopra e guidò fino a raggiungere un branco di motociclisti che scheggiavano verso il Centro Commerciale. Al branco non gliene fregava niente dei giovani ribelli attorno al palazzo della TV di stato e nella piazza lì vicino, o dei militari della Sicurezza Centrale che, spogliatisi delle divise cominciavano a sparpagliarsi nelle strade o a nascondersi negli androni dei palazzi. Ai motociclisti non gliene fregava niente dei blindati della Guardia Presidenziale, che stavano spuntando lungo la Corniche. Non gliene fregava proprio niente, esattamente come a tutti gli altri, del coprifuoco imposto dal vecchio regime corrotto. Il branco era sulla via per la Terra Promessa, non tanto lontana, dove c’erano latte e miele, apparecchi elettronici e molto altro ancora.
Hamza arrivò al centro commerciale trovandone gran parte in fiamme: il fumo pesante saliva nell’aria. Orde di persone uscivano trasportando tutto quello che potevano, pesante o leggero che fosse. Parcheggiò la Vespa all’entrata, assieme a molte altre motociclette e corse dentro l’Arkadia come preso in un incantesimo.
Con la punta delle dita sfiorò il coltello nella tasca dei jeans e la sua intuizione risultò essere corretta: tra le orde di formiche che sollevavano i propri trofei, c’erano molte risse, specialmente davanti alla gioielleria, in cui avevano fatto irruzione, come in molti altri negozi del centro commerciale. I corpi dei cercatori di diamanti erano impilati uno sull’altro, mentre i più forti e più violenti avevano preso tutto.
Hamza arrivò al centro commerciale trovandone gran parte in fiamme: il fumo pesante saliva nell’aria. Orde di persone uscivano trasportando tutto quello che potevano, pesante o leggero che fosse. Parcheggiò la Vespa all’entrata, assieme a molte altre motociclette e corse dentro l’Arkadia come preso in un incantesimo.
Con la punta delle dita sfiorò il coltello nella tasca dei jeans e la sua intuizione risultò essere corretta: tra le orde di formiche che sollevavano i propri trofei, c’erano molte risse, specialmente davanti alla gioielleria, in cui avevano fatto irruzione, come in molti altri negozi del centro commerciale. I corpi dei cercatori di diamanti erano impilati uno sull’altro, mentre i più forti e più violenti avevano preso tutto.
Hamza stava salendo le scale lungo la scia della folla, tra cui riconobbe alcuni visi, mentre altre persone stavano scendendo, trasportando tutto quello che potevano, persino sedie di pelle da ufficio e scrivanie. Raggiunse il negozio desiderato, anch’esso distrutto, estrasse il suo coltello con una leggiadria risalente ai lontani giorni dell’adolescenza e si mise a cercare l’amata. Con lo sguardo prese a rovistare in giro per il locale distrutto, mentre la gente intorno a lui afferrava vestiti con avidità e trovò l’ultima rimasta in un armadio alla sua destra. Ondeggiò il coltello in faccia a un giovane che stava per afferrarla e gli intimò di andarsene con tono rude e minaccioso. Il ragazzo tremando si dileguò, lasciandogli via libera e Hamzà afferrò la giacca. La osservò a lungo: finalmente aveva ottenuto la sua amata, finalmente la mano sinistra ghermiva con fermezza quella sottile pelle lucente, mentre il tiretto della cerniera oscillava libero. Il tintinnio luccicante del metallo colmò d’estasi il cuore di Hamza che non riuscì a trattenersi e nonostante il delirio che gli stava intorno e gli occhi che sicuramente aveva addosso, corse verso i camerini.
Si chiuse alle spalle l’elegante porta di legno e attento a non ferire l’imbottitura della giacca, tuffò la mano destra con il coltello all’interno del fine tessuto, facendo scivolare la manica nel minor tempo possibile. Fece lo stesso con l’altra, si sistemò addosso la giacca e chiudendo la cerniera, impettito, si guardò allo specchio alla sua sinistra. Un senso di frustrazione si impossessò di lui: era di una taglia troppo grande e così non aderiva perfettamente al suo torace, ma non si lasciò sconfiggere, alla fine era riuscito ad avere la giacca.
Si chiuse alle spalle l’elegante porta di legno e attento a non ferire l’imbottitura della giacca, tuffò la mano destra con il coltello all’interno del fine tessuto, facendo scivolare la manica nel minor tempo possibile. Fece lo stesso con l’altra, si sistemò addosso la giacca e chiudendo la cerniera, impettito, si guardò allo specchio alla sua sinistra. Un senso di frustrazione si impossessò di lui: era di una taglia troppo grande e così non aderiva perfettamente al suo torace, ma non si lasciò sconfiggere, alla fine era riuscito ad avere la giacca.
Con la medesima foga con cui era entrato nel negozio, uscì: una folla di persone lo circondava nello stesso stato di eccitazione. Era il paradiso, era fare giustizia su quegli egocentrici bastardi egoisti; su quei ladroni, con il loro denaro, frutto di ruberie, nei loro enormi conti in banca; sulle sventole tutte curve, dalla pelle bianca, che si scopavano; sui loro club esclusivi; sulle scuole internazionali dove mandavano i loro piccoli bastardi. I pasha, gli dei delle stazioni di polizia, che baciano il culo dei potenti, mentre appendono per le caviglie i ladruncoli, o chiunque la malasorte abbia guidato tra le loro mani. Quello era il giorno di coloro che stavano ai loro piedi: i piccoli delinquenti, i diseredati, quelli che sognavano lo stile di vita che gli veniva mostrato nei film che arrivavano dal lontano Nord. Estasi e brutalità scorrevano assieme tra la folla, un rapimento simile a quello che Hamza sentiva mentre si faceva Naìma sulla terrazza, attento che non arrivasse nessun indesiderato visitatore o qualche vicino dalle orecchie lunghe.
Corse fuori e l’adrenalina gli riempiva le vene. Richiamò alla mente l’immagine di un lupo, un lupo feroce che, nonostante i cani che da sempre lo assediavano, aveva ottenuto tutto ciò che voleva nella foresta della vita.
Quando uscì dalla porta del centro commerciale, scattando verso lo spiazzo in cui erano parcheggiate le motociclette, la nuda verità lo colpì brutalmente: la sua Vespa era andata.
Quando uscì dalla porta del centro commerciale, scattando verso lo spiazzo in cui erano parcheggiate le motociclette, la nuda verità lo colpì brutalmente: la sua Vespa era andata.
you can see the original here.
.
↧
↧
محمد علاء الدين في ضيافة الدويتش فيله- وانتقادات عنيفة للسيسي ودولته.
↧
صباحات الفراولة المبكرة
كالعادة، منذ وصلت إلى هنا، كان اليوم يبدأ في السابعة صباحًا.
في برلين أنا شخص آخر. تبدو عبارة فيها كثير من المبالغة، ولكنها حقيقية، ربما، من اجل جبر بعض من الخواطر وللتماهي مع موضوعية مفترضة، دعنا نقول انني هنا مختلف: اصحو مبكرًا، اقرأ بنظام دقيق، كتاب في الصباح فور الاستيقاظ وكتاب في المساء قبل النوم، وادرك هنا أن النوم سلطان، بدلا من التقلب بلا جدوى في ساعات الصباح الباكر في القاهرة، يحل علي تعب لطيف، ادخل في الوسن بيسر، انام بعمق.
اصحو من النوم، اضع بيضتين في ماء فوق نار، اعد بعض من القهوة الايطالية في آلة الموكا التي نادرا ما استخدمها في القاهرة؛ حتى قهوتي هنا مختلفة، فعادة استخدم القهوة سريعة التحضير التي اضعها في قدحي كشاي، أو- نادرًا- ما اشرب القهوة التركية التي تقلب في الماء بصبر. حمام سريع قبل ان اخرج لاستقر إلى طاولة المطبخ، آكل البيضتين واهين القهوة الايطالية ببعض الحليب: اهدتني شابة ايطالية لطيفة هذه القهوة، ولكن كان وجهها يظهر الامتعاض الشديد حين افسد مذاق القهوة المضبوط بالحليب الذي اضعه فيها. كنت حريصًا علي تذوق رشفتين من القهوة قبل صب الحليب، اتذوقها ببطء وبأناة وباستمتاع.
في حوالي الثامنة والنصف، أو التاسعة، بعد القراءة في الرواية اخرج لابتاع بعض من الفراولة الالمانية الشهية، الصيف هو موسمها، قال لي أحمد فاروق (كافكا) صديقنا التسعيني المستقر في برلين منذ عقد ونصف، أن مذاقها يذكره بالفراولة المصرية قديمًا، نعم، لديه حق، كانت هكذا في طفولتي، قبل أن تُمسخ في مراهقتي، ويشيع استخدامها مقطعة مع رش السكر فوقها، ولكن كافكا-فيما اظن- لم يدرك التحسن الذي طرأ عليها في اواسط رجولتي، اتذكر ان احدهم قد فسر لي الموضوع بانتقال من سلالة من الفراولة إلى سلالة اخرى، ويأخذ الامر سنين قبل أن يتحسن المحصول، ربما.
الفراولة: فاكهة الجنة، لونها الاحمر وشكلها المخروطي ققلب، المسام الخضراء الدقيقة فوق سطحها، العصارة الشهية التي تجول بفمك وحول لسانك وانت تقضمها بيسر، كانت واحدة من فاكهتي المفضلة، سواء كفاكهة أو كمربى، فيتراك الفراولة، هذه الايام. لسبب ما لا استسيغها كعصير، ولكن الموضوع يمكن تفهمه في ضوء انني احب المانجو حبا جمًا كفاكهة او كعصير، ولكنني لا اتخيلها ابدا كمربى.
امشي عادة قليلا في ارجاء كرويتسبرج، قبل أن اعود بحصيلة الفاكهة وبعض من الخضروات لسلطة طازجة، اترك كل شيء وآخذ اللاب توب إلى حيث “كوتي كافيه”، المكان متعدد الاعراق والتوجهات بالقرب من منزلي. هي منطقة تموج بالمهاجرين، وبالموسيقى العربية والتركية والكردية. بالأمس، اثناء صعودي للمنزل وبعض من وسن يتمكن من دماغي، شاهدت زفة عربية اسفل المنزل، خمنت انهم جيراني الذين يشغلون موسيقى أم كلثوم بين حين وآخر في الظهيرة. كان موكب العربات عربيا في كل شيء، الزينات والاشخاص والضحكات واللغة ولكنها، ولكنني شاهدت بدل العلم علمان فوق كل عربة، العلم الالماني.
اجلس في الكافية لاعمل قليلا واتصفح الانترنت كثيرًا، لن اثقل عليكم بالشأن العام لأننا كلنا في الهم واحد، ولأن مسئول الصفحة ها هنا قد نبهني، المهم، ما يزال لدي وقت قبل الذهاب لمعرض الفنون التي اخبرتني عنه صديقتي الالمانية، اتمم ما جئت لاجله، واجرع “الشاي العربي” بالنعناع كما يسمونه، قبل ان انفذ خططي المعتادة بالمشي لاطول مدد ممكنة في مكان يحتفي بهذا الفعل، ولكن، قبلا، يخطر ببالي أن احادثكم عن طعم الشاي، طعم مختلف، لم اعرف بالضبط- إن شئتم الحق- إن كت استسيغه أم لا، رغم انني اشربه كل يوم كبغل. اذا ما افترضنا أن القوم هنا يحضرون نوع حقيقي من الشاي، كيني أو سيلاني، فيبدو أنني المستهلك المصري المثالي، الذي تحدث عنه “بهظ بيه” في فيلم الكيف. افكر في كل يوم، وانا اطلب الـ”ارابيش تي” أن اسأل عن بلد منشئه، ولكنني كنت انسى، أو اتناسى.
اعيد اللاب توب إلي المنزل ثم آخذ وقتي للمشي، كان الأمر يشبه التحدي: لابد وان امشي شارع الكارل ماركس لنهايته.
كنت قد تمشيت بطول الطريق الطويل الذي يقود من كوتي كافيه إلى حيث الهيرمان بلاتز، الميدان الذي ينطلق منه شارع كارل ماركس، وهو غير طريق كارل ماركس الذي كتبت عنه قبل ذلك. كنت اتأمل من يقبلون على، ومن اتخطاهم، بفضول لم يقتله التعود، ميزت مع الوقت اختلاف الحجاب التركي عن الحجاب العربي، أو هكذا ما تخيلت، رأيت نساء شقروات وسمراوات شهيات، ونساء اوغلن في السن، ومرأة قصت شعرها كرجل، وكانت ملامحها كرجل، ولولا ثديين بارزين لحسبتها رجلا، رأيت حتي سيدة تشبه تماما نبيل الدسوقي، الممثل القديم، ولم اعرف إن كان التعاطف شعورًا مناسبًا تجاهها أم أن هذا شيء طبيعي لا يفسد الحياة. رأيت رجالا متوسطي العمر، وبعضهم يزتدي ملابس تعود في هندامها الي سنى السبعينات، وذكرني هذا بمدرس قديم في مدرستي الثانوية، تاه في تلافيف العمر اللي الدرجة التي جعلته ما يزال يرتدي الشارلستون الواسع في سنين التسعينات. شابات في مقتبل العمر، وفي مقتبل الحياة، يرتدين الهوت شورت كاشفات عن جمال فتىّ مازال يحتفظ بفضوله.
عبرت بالهيرمان بلاتز، ثم دخلت الشارع الطويل، وطوفان البشر ما يزال مستمرًا؛ كنت مولعًا بالمشي منذ حداثتي، كمولد من مواليد وسط المدينة التي احيانا ما تقودك لكي تكون اكسل خلق الله أو لتكون مجنونًا بالمشي مثلي، حين اكون في الاسكندرية لي عادة محببة: ان انزل من محطة سيدي جابر، لامشي في شارع ابي قير بطوله، حتي حديقة الشلالات، لأكمل في شارع فؤاد، حتي انحرف يمينا صاعدا الي محطة الرمل، ثم امشي بطول الكورنيش راجعا الي فندقي المفضل في كامب شيزار، في مرة اصيب احد السكندريين بالارتياع لخطتي وقادني من يدي مجبرًا الي حيث الترام.
في مرة كتبت رواية كاملة عن فعل المشي، وكان اسمها، ولا عجب، القدم. وعندما يبلغني بعض القراء بحبهم لها اسعد جدا، كانت القدم تجربة موغلة في التجريب كعادتي، واستعارت السياق المتشظى لعقولنا اثناء المشي كبناء، فاحيانا نفكر في ذكريات متداخلة، واحيانا يقطع هذا التيار انتباه وقتي لحادث في الطريق، او تأمل لواجهة محل أو لبشر يعبرون الطريق.
كان السرد مترادفة باستلهام لتشظى الحكاية عند القرآن، حين يذكر ذات الحكاية في مواضع متفرقة، وإن كان وفيا لجذور الحكي الاوروبية مع ذلك، وبينما انا امشي في الكارل ماركس، لاحظت مثل هذا التداخل من ميراث شرقي وغربي معًا، في سياق اخر هو المصدر التي نعب منه لنصنع جداولنا الصغيرة التي تخصنا: الحياة.
كانت التجربة اكثر ايغالا من اليوم الثاني والعشرون مثلا التي اعتمدت اللعب علي تكنيك مشابه: كيف نتذكر الاشياء وكيف ننتقل بعقولنا من تفصيلة الي اخرى بلا ترتيب، ولكن ان كانت الحكاية في اليوم الثاني ذات موضوع بعينه، وانا العب في تفاصيله وكرونولجية سرده، فقد كانت القدم هي التشظي الكامل، حول حكاية صغيرة صلبة كنواة في داخل النص.
كنت افكر انه، بما انني عنيد كبغل وسأتمم الشارع الطويل لاخره، فسيلزمني ان انحرف يسارًا في اي نقطة اختارها، قبل آن يتوجب علي آن انحرف ليسار آخر، قد يكون بطول احدى القنوات التي تفصل ما بين الجزر الصغيرة البديعة التي هي برلين، حتي اصل لنقطة توازي مكان منزلي. املك حاسة جغرافية اثق بها، واتركها لتأخد قدماي، ك،احد من مواليد وسط المدينة الذي دربوا علي فنون الابحار في الشوارع، وتوخي اقرب النقاط التي يمكنهم الوصول عبرها الي الهدف، أو لتجنب منزل أو محل او ناصية بعينها مثلا.
في المرة الاولي التي وصلت فيها ادنبرة قبل سنين بعيدة، اتذكر انني قد مشيت بلا هدى غير قياساتي المنطقية (في زمن لم تكن فيه الهواتف الذكية أو برنامج الجوجل مابز شائعًآ)، لمدة ٤ ساعات متواصلة لاصل لذات النقطة التي بدأت منها، غير بعيد ابدا عن مدرسة الجورج هارييت التاريخية، قريبا من مكان سكني آنذاك.
ساعتها عبرت بشارع البرنسيس آن دون ان اعرف اسمه، وهو ذات الشارع الذي بدأ فيه فيلم ترايسبوتينج الشهير، وحيث يتفرع منه شارع يوجد به بار بديع اسمه الرويال اوك، وهو نفس البار الذي عبر به بلال فضل مثلي، حين زار ادنبره، واظن ان ذلك تم بغير ترتيب بعينه، مثلما فعلت بالضبط.
علي العموم، اكملت الطريق حتي آخره، حتي تعديته ووصلت الي بداية طريق سريع يقود الي المطار وهامبورج، فقفلت راجعًا، ودخلت الي الطريق الذي توجد علي ناصيته محطة قطار نويكولن، لامشي في منطقة جميلة، مليئة بالاشجار والهدوء، لاخذ قهوة سريعة في مكان لطيف، قبل أن اكمل رحلتي عبر الزونين شتراسه.
كان الشارع بديعًا لدرجة لا تصدق في الربيع، باشجاره الوارفة وجمال ابنيته، ويمكنك ان تراقب ساحرًآ اختلاط لافتات المحلات العربية بحقيقة كونك في اوروبا، ولتفكر ساخرًا أنها منطقة محسوبة حتي الان علي الطبقة الوسطى- رغم ارتفاع اسعارها في السنين الاخيرة- وهي اكثر جمالا وسحرًا ونضافة من حالة مناطق النخبة في مصر الآن مثل المعادي أو الزمالك، وذات روح مدينية حقيقية اكثر من تلك “المجتمعات العمرانية المغلقة علي نفسها في اطراف القاهرة، خاصة بتلك الشوارع الجميلة الصغيرة التي تتفرع منه. رأيت حافي الشوارب وبعض المنقبات والمحجبات، مع بعض الالمانيات من الجيل الثاني اللاواتي كن يحملن هذا المزيج القاتل: الجمال الشرقي والبشرة الغربية، الدلال الذي اعرفه في الجنوب مترابطًا مع حسن الذوق الشمالي. اخبرني كافكا لاحقًا أن هناك رواية جميلة تحمل اسم “شارع زونين” وقامت احدى صديقاته بترجمتها، كنت فضوليًا لاعرف إن كانت الرواية تتناول الجالية العربية والتركية والكردية هناك، ولكن كافكا اخبرني أن الموضوع تاريخي وليس معاصرًا.
قرب المساء كنت انتظر صديقتي الالمانية امام محطة المترو، وكلمة المساء مخاتلة تمامًا، لأن الغروب في برلين الآن يكون في حوالي التاسعة والنصف مساءً تقريبًا. جائت برشاقتها واناقتها المعتادة، مضينا إلي حيث المعرض، واحد من حلقات معرض اشمل في طول العاصمة الالمانية وعرضها مخصص للمصممين، دخلنا إلي بناية كلاسيكية انيقة، وبدأنا في استعراض العديد من اللوحات.
سألت بينزي- فرانشيسكا- مديرة الجاليري التي لفت نظرها ولع مشترك ما بيني وبين الالمانية بلوحة ما، عن اسم الفنان، اجابتني بانه رسام وكاتب ومصور الماني يدعى توماس جرويتز، ثم مضت باحترافية لتسرد عن لوحات اخرى موجودة في المكان، كان القاسم المشترك بينها جنسية الفنانين الفلندية. قلت لها غير فاهم “اذن هو مهرجان للفنانين الاجانب؟” قالت لا، هذا الجزء هنا- واشارت الي صالات متسعة عبرناها من قبل- هو مخصص للمهرجان، هنا بقية الجاليري، وهذا معرض مقتنيات خاص، يمتلكه رجل اعمال فنلندي ثرى، ويخصص اغلبه لعرض اعمال الفنانين من بلاده.
كان رجل الاعمال الفنلندي، تيمو ميتينن، قد ابتاع هذا البيت بكامله قبل اربع سنوات، هذا البيت، ٣ شارع ماربورجر، هو واحد من مبان نادرة ظلت موجودة من قبل الحربين العالميتين، انشئ هذا المنزل في العام ١٨٩٦- تقريبا هو من نفس عمر بيت عائلتي الكبير- وكانت تمتلكه سيدة يهودية تركته للنرويج ابان الحرب العالمية الثانية، ثم رجعت لتستقر به حتى وفاتها، ثم ليبتاعه الثري الفنلندي الشقة الواسعة الفسيحة التي تقيم بها إلي صالون دالمان، بنفس اسم السيدة الاخير ، مسلما اياه للمهندس كارل فيلي، الذي اسعدني الحظ بوجوده في المعرض. تقودني اليه فرانزي وتقول له ان الاستاذ روائي مصري مهتم بسماع حكاية ترميم المنزل. منحني من وقته بكرم شديد، وظل يشرح لنا- انا والصديقة الالمانية- خطوات ترميم المكان، وكيف استعانوا بنفس المكونات الاصلية من منازل اخرى للحفاظ علي السمت التاريخي، ريما الاستثناء هو الحمامات، طبعا.
اللطيف في الامر أن الثري يجىء هنا للاستقرار اسبوع او اسبوعين كل صيف، بقية الشقة التي هي جاليري تعمل فقط في يوم السبت من كل اسبوع، وهناك باب يغلق ما بين الجزء الذي يقيم به الثري وما الجاليري، بل ويؤجر المكان كشقة للعطل الصيفية ايضًا، الف يورو كاملة في الاسبوع، واذا سألتني، فالمكان يستحق. ليس فقط لنظافته واناقته، بل لكمية الاعمال الفنية المتناثرة في كل ركن من الشقة.
نشكر المهندس ثم نمضي لنشرب شيئًا قبل آن نعود إلى المنزل، انظر في ساعتي، هي الحادية والنصف مساءً. افكر في ان اصدقائي في القاهرة، لو عرفوا انني ابدأ في النعاس في حوالي الحادية عشرة والنصف مساءً لفكروا جديا في عرضي علي طبيب أو ما شابه، ولكنها صباحات الفراولة المبكرة.
…………………………………….
نشرت في اخبار الادب بتاريخ ٢٧ يونيو ٢٠١٤
↧
The Mechanical Corps.
I was sitting, nonchalantly or so it seemed, on the shore of Lake Wennesse. Home was thousands of miles away, but, even in this beautiful place, full of beautiful people, dog, greenery, sun, and lots of swans, it was occupying my thoughts.
Maybe that’s why I borrowed a pen and a paper from a blonde sitting by me, who was so involved in her work, marking papers filled with blue inscriptions with a red pen. She could not help but work, it seemed. It was not a way of opening a conversation, introducing an exotic foreigner with a funny accent. It was really for the sake of exorcising this haunting essence of home, and writers know this well, or at least some of them.
It was emotional, yes, but it had something to do with logic. My new German friend did not understand the logic of the whole thing. She looked at me, with her green-grey eyes, saying that world was so distant from her. I would argue with Honecker, but—actually—arguing would not get me anywhere, and moreover, Honecker’s course has its own logic, one we can understand in the light of a certain ideology, even if we strongly disagree. But Sissi, the new Pinochet of Egypt, has no logic but the raw grip on a primitive concept of power, mingled with a great deal of collective insanity hitting home, of which he’s both a manufacturer and a product.
Since I left Egypt nearly month ago, the madness continues to prevail: After two days where voters were obviously absent, days filled with hysterical threats by the field marshal and his government, Sissi went as far as imposing a third day of voting, and finally announced himself a winner with 97% of 48% of voters, after which the media went on to attack “traitors” who modified his recorded victory speech to make him look “darker,” and the FJP — the party of the Muslim Brotherhood — website is speaking about how Sissi bleached his skin to look whiter with a million dollar cost, but in order to recover, he will look “darker.”
Such encounters can be added to the duck-as-spy, the Muppet-conspiracy, turning HIV to kofta, and for sure, the boy-toys-to-spy-tools they caught in the Cairo International Airport.
Yesterday, I was with Jovita at an art exhibition. It was celebrating the 40th anniversary of a Berliner art gallery and artists’ studios, dedicating the exhibition to German artists who created futuristic sci-fi comics and dedicated to Jules Verne, using a style attributed to industrial Germany in the beginning of the 20th century. No wonder they called it “The Mechanical Corps.” I could not help but think that Egypt was going down the same course exactly, reinventing the past to the future. It would be so appealing in art, even inspiring, but in the reality, and more specific in the political sphere, it is devastating.
Ah! The blonde in the park had to go, so she had her pen back with a lovely sorry smile. I felt helpless, until a kind guy, who was alert even though cuddling with a woman, helped me out with a pen. Blue ink going after black one: inconsistency. Egypt.
Maybe it was a sign, just to stop thinking, worrying, analyzing Egypt. As a poet friend put it over a chat box on Facebook: “You are coming back to the shit again, so try not to entrench yourself in it now.” Yes, she’s right, but I cannot help it, and I cannot help noticing that “shit” is the code name for Egypt now.
As in literature — as in Flaubert’s sort, the first modern novelist, according to Illyosa — getting drowned in sentimentality means you are dead in it. I do not want it to be a sentimental one, and as proof I would say that Egypt had the code name shit before, back in the days before January 25. Not the very year before it, but years before it, that’s a truth. But again, I cannot help but think that in these old days, it was shitty but abstract, when we had the time and the mind for a movie-night, or a Nile cruise, or gathering in bars. Every word did not vibrate with intense politics, people did not try to measure up their words carefully so as not to be a Muslim Brother, or Mubarakian, or an Army lover. We did not seek approval from the surroundings like cocaine addicts; we were not so damn hysterical like this, back when everything was still unexpected, inexperienced. I try to enjoy my time in Berlin, but it is scary to think I am chasing a status I had five years ago with no success.
Now you may add nostalgia, which is a great aspect of sentimentality, but to blow this up, I can tell you about my scares from Mubarak and SCAF bibi-bullets. I’d tell you how I got these two scars on my writing leg in the Muhammad Mahmoud streets riots, and all of this lyrical shit, but I could also direct you to another scar, a long one, on the other leg. Well, it was done by my cat.
It was the cat claws, trying to catch on anything before falling from my attic. We should not fall into sentimentality and nostalgia; scars can be created by generals and by cats.
See? It is so logical for Jovita not to understand, and for that I kept silent, trying not to speak about it, but she would usually say, as we were surfing the streets of Berlin, that I looked “serious.” I love walking you know, as a real downtowner, the true son of Cairo, but more and more it became harder to everyone, especially those guys up in Cairo in the moment. Over Facebook, I could understand from friends in many areas that “The People’s Enormous Joy” over Sisi’s win was actually in three or four separate spaces, and even with that and everywhere else, it was a few gangs of people riding tok-toks, closing the streets, halting the traffic, so you could see “the loving crowds” flowing out into the streets, maybe naming the Field Marshal and his entire family all together.
Away of such thoughts, I try not to look serious and I try to enjoy the walk, the talk. It was funny and intriguing that we interact in a language which is not either of our mother tongues. It seemed like me speaking to some Mubarakians and Army lovers: You can remove the infatuation.
We were strolling by Check Point Charlie, and I was enchanted by the history flaring up out of the spot. I always was a history lover, an avid one, but the scene of US and Soviet personnel around garrisons, wires, and tanks, all in black and white, drew me back to a different place. A few months ago, I was invited by a book club to discuss my books, so I went there, exercising my love to walking, and I passed by the headquarters of the Northern Egyptian Command, the same set, garrisons, tanks, and masked army personnel. Now, in front of me, I can see the US and Soviet occupation forces bare-faced.
I was brought up in downtown Cairo, just in front of Ministry of Interior, and through my short life, I saw it growing more and more into a fortified beast, and the only lesson I could glean from this, especially the recent cutting of half of the street with a wall, is that whatever garrisons put in place will never be removed. I looked to Check Point Charlie now, again.
And when I went to the nice guy to give him back his pen, writing only half of this for the lack of papers, his lover, a nice lady with some northern English accent asked if I had finished writing my will, pointing out to the paper in my hand. I smiled and I told her that’s a bad omen. She said apolitically that she had written her own. I noted that F. Scott Fitzgerald had written in his obituary that he “had potential, and Great Gatsby proves it.” The bastard did not really know, I told her. She did not know him, but she knew Gatsby, and that lots of artists can feel the same. I bored the couple with another story about the end of Modiliagni, before I thanked them and went.
If this lady managed to read those letters now then I would thank her. Because for five minutes of this day, of this trip, I was speaking purely about art, thinking entirely about art, even if they were sad stories, and even if her joke about writing my will hit a naked nerve.
↧
في ارتداء القباعات.
كضباب زفرة تصطدم بمرأة،
كانت قدماي في شوارع الحياة.
ولم اجد وردة تنبت بين شفتيها،
بالضبط، في المرآة،
حين تكون الاذن اليمني، هي اليسرى.
بالضبط، حين يعني الكلام شيئًا.
لم اعد اضغط علي اليد حين السلام،
واطيل الجد، كثًا كثيفًا،
واصبحت لا اؤمن بالقطط.
فقط،
ساركز حثيثًا في علامات القدر.
تمر الليالي كجمل مجاملة متعلثمة ومضغمة،
كرد على تحية لم يقولوها.
فأهرب بالمشي، ناظرا إلى الداخل.
لا مبولة يمكنها تلقي الحياة،
كسائل اصفر رغويّ.
هكذا، بلغت الحكمة.
↧
↧
البراءة جهل
كنا في ميريت، انا والعايدي وإبراهيم داوود وآخرون، وفيما اتذكر، طرح داوود سؤالا بدت لنا اجابته بديهية: “ماذا تفعل لو حاول لص سرقتك بالاكراه؟!”. اجبنا انا والعايدي “سنقاوم”. هز ابراهيم كتفيه وقال كمن يقرر حقيقة كونية “لا طبعا، سأعطيه المحفظة”. وأمام استحسان البعض لرد داوود، نظرنا انا والعايدي لبعضينا وصمتنا. تملكني هذا السؤال، وطفقت افكر فيه بين كل حين وآخر، في اوروبا وامريكا يعطون الحافظات، بل حتى ينصحونك بوضع ورقة مالية من فئة معقولة، حتى لا يغضب السارق، الذي هو في حالتهم سيكون غالبا من المدمنين، فيقتلك غيظا. بدا الموضوع حكيما، ولكنني قلت لنفسي “وهل من يسرق عندنا من المدمنين فحسب؟”.
وباعتبار انه لم يسبق لي الوقوع في ذات المأزق قبلا، فقد كنت احاول تخيل ما الذي يمكنني حقا فعله، تذكرت الخناقات المتباعدة التي تورطت فيها، سواء في مصر او في اوروبا، وغالبا ضد اكثر من فرد في ذات اللحظة، بحماقة بالغة، ولكنني نجوت بدون اصابات حقيقية أو خسائر، وقبل ان اشكر “شجاعتي”، تذكرت ما قاله لي تيم، صديق انجليزي يضرب الآن في اطناب شنجهاي، عن مدى حماقة المصريين الذين يتورطون في خناقات مع من يفوقهم عددا وقوة في الشوارع، اثنى بدافع من أدب انجليزي مجامل ومعهود على هذه “الشجاعة”، ولكنه سأل سؤال مستحق عن النتيجة الاحتمالية لهكذا موقف. يجب، إذن. أن اشكر حظي الحسن؟! هل الوم داوود الملك؟! أم ألوم من علمني قصته؟!
وعندما كنت اصغر من عمري الحالي بخمسة عشر عاما تقريبا، رأيت روائيا لا يسعفني الزمن بتذكر اسمه، ولكنني اتذكر ما صدر به روايته الصادرة من هيئة قصور الثقافة؛ لقد كتب أن البراءة جهل. وظللت، ايضًا، افكر في العبارة. في يوم بعيد آخر، كان بلال فضل يجلس معي، محاولا شرح ما يعتنقه من عدمية ايجابية كما اسماها: الكل للعدم، فافعل ما تحب، فسألت نفسي أهناك ايجاب وسلب في عدم؟ أيوجد معنى في استحالته؟! أي عبث هذا؟!
وهكذا، وجدنا انفسنا نعتبر ان البراءة جهل، وأن الشيطان روح تواقة للمعرفة، وأن الايمان يعني الدوجمائية، وأن العدم هو الوجود، وان اللطافة ضعف، وان السخرية، بل التهكم المر الكريه، هي قوة، هكذا وجدنا أن الشر هو من يرث الدنيا، هكذا وجدنا ان الشرير هو الملك، هكذا فكرنا في عالم الحيوان باعتباره الكتاب الاسمى للحياة، هكذا قلنا أن الحياة لا تدين لنا بشيء، هكذا قلنا أن النجاح يعني الفساد أو بعضه، والثراء يعني السرقة أو بعضها، هكذا قلنا انه لا عدل.
وكلما هيئ لنا اننا قد ابتعدنا عن الدين، يمكننا ان نذكر انفسنا بأن المسيح قد قال “الشيطان إله هذا العالم”، وأن القرآن قد قال “ولا تلقوا بانفسكم إلى التهلكة”.
لم نفكك المعاني لننزع القداسة، أو نخفف الحدية؛ لم نسلم بالعدم، بل صرنا مؤمنين به.
حتى عندما فاجأنا انفسنا، في اليوم الثامن والعشرين، وكنا افضل من احلامنا، وجدنا بعضنا يعتذر لا للناس، بل لنفسه، عن ذلك اليوم. اعلم اننا فيما تبع السطوع قلنا لأنفسنا “نحن افضل جيل”، وها نحن فيما يشبه الانطفاء نقول لانفسنا “نحن اسوأ جيل”، نعم، هذا معتاد. أعلم ان الخطاب حال، ففي النصر نرفع رايات المعنى، وفي الهزيمة نرفع رايات العدم. نعم. هذا معتاد.
ولكن، اخبرني: كيف تنجح ثورة يتصدى لها مجموعة من العدميين؟!
اخبرني: كيف يمكن لاسماعيل الاسكندراني النجاة من جلاديه، ونحن بهذا الشكل؟!
.............................................................
نشر على موقع العربي الجديد في ٢١ يناير ٢٠١٦، لرؤية المقال الأصلي يرجي الضغط هنا.
↧
سيف الاسلام خيرت الشاطر
انتهت الذكرى الخامسة ليناير، سناء نزلت وحيدة، ويقال إن عشرات من الإخوان نزلوا وحدهم في مكان بعيد. في أيام انتخابات الرئاسة الأولى بعد الثورة، أو بالأدق قبلها بقليل، أخبرني العم حسين أنه لا يتمنى أبداً أن يفوز خيرت الشاطر برئاسة الجمهورية.
كان عم حسين أحد المترددين على ميريت بكثرة والجالسين معنا دوماً، بود شديد وأريحية كبيرة، وبذاكرة لا بأس بها أبدى للشعر والأغاني اهتماماً، حتى حسبت أنه صديق لأحد الشعراء الكثيرين الذين يعبرون بالدار الدافئة والكبيرة مقاماً ودوراً، قبل أن أفهم أنها لأسباب تجارية، استطالت بعمق الصداقة التي بناها بعدد لا بأس به من أصدقائي.
هكذا كنت أتخيل أن يرد علي من زاوية أيدولوجية مؤكدة، ولكنه تابع بحماسة "طيب بذمتك دي خلقة الواحد يصطبح بيها متعلقة في مكاتب الحكومة؟!"قالها بحرقة أثارت ضحكي، ليتابع مرة أخرى بجدية ما "لا والله بجد يا عم علاء، طيب يعني السايح من دول ينزل المطار يشوف الخلقة دي ويرجع أزاي طيب؟!".
يجادل بعض أصدقائنا من الإسلاميين بتفاصيل كثيرة عن فكرة واحدة: الغرب الشرير الذي يريد مسخ هويتنا وحضارتنا، يبدأون من أول تكليف أتاتورك بهدم الخلافة، أو للحق يبدأون من عمالة رفاعة الطهطاوي لفرنسا ومحمد عبده للإنجليز، عابرين بعمالة سعد زغلول للقمار تقريباً وكونه ربيباً للورد كرومر، غير ناسين - طبعاً - طه حسين، ولا نجيب محفوظ، ولا الرئيس المؤمن أنور السادات الذين قتلوه بأنفسهم، أو قتله بعضهم.
يجادلون بكل حمية، وكل حماس، في أن كل تطوير للدين هو بسبب العمالة، وأن كل تحديث للسياق هو بدع مكروهة والعياذ بالله، وأن كل هذا التاريخ تاريخ منحول من خونة ومتهاونين ومتعاونين وكفرة، وبالطبع سيضمون أحمد لطفي السيد لو يعرفونه من أصله، دعنا من لويس عوض، فيكفيه اسمه.
طيب، وإن كانت مسألة هيمنة ثقافة على أخرى مثاراً لجدل أكاديمي برع فيه أصدقاؤنا الشيوعيون من دول الجنوب عامة، وإن كانت زاوية "إعادة كتابة التاريخ"لها بريقها الحاد لدى أي ذهن حاضر وإبداعي، فيمكنني فقط أن أسألك كيف اختار الإسلاميون لأنفسهم، بمحض إرادتهم ورغبتهم، مظهراً أشبه بأبي لهب وأبي جهل في الأفلام المصرية الإسلامية القديمة؟! كيف تحول "المسلمون" - كما يروق لهم تسمية أنفسهم - إلى "كفرة"؟!
كيف راقب المصريون بذعر في جمعة الخلافة الإسلامية أو ما شابه، التي دعت لها كل الحركات الإسلامية السلفية فأتي لها الناس من 17 محافظة كاملة، بميكروباصاتهم بأكلهم بأطفالهم بزوجاتهم بذقونهم بجلاليبهم بزبيبتهم، ليعجزوا عن ملء شارع سموه تجاوزاً بميدان النهضة، كيف راقب المصريون هؤلاء "المسلمين"وهم يصرخون في وجوههم، ويتشنجون فوق المسرح، في حدث حرص دهاء العسكر على كونه التظاهرة الوحيدة في تاريخ مصر التي تفتح فيها ميكروفونات التلفزيون بلا وقت محدد، ويغطيها الأخير بـ"كريين" - رافعة كاميرا - تصول وتجول في بانورامية، لتصل أصداء المشهد العجائبي لعيون كل المصريين، حين خطب فيهم "المسلمون"ثم تبعوا الخطبة بصلاة صلوا فيها صورة "الفتح"دون غيرها من سور القرآن الكريم.
كتبنا كثيراً في خيانة النخبة، ولكن، دعنا فقط نسأل: كيف تحولت صورة خيرت الشاطر إلى صورة أشد قبحاً واستغلاقاً من صورة عدلي كاسب في فيلم هجرة الرسول؟! كيف فاقت حقيقة رجل الإخوان المسلمين القوي خيال مخرج الفيلم في دور أبو جهل؟! بل كيف يتحمل بعض المصريين ما لا طاقة لهم به، فقط من أجل ألا يرجع هؤلاء؟!
وفي سياق متصل، وفي أرجاء ميريت أيضاً، قال لي الموك (اسم تدليل صديقنا أحمد أبو المكارم) إنه يتمنى فوز شخص يليق بالرئاسة، "رئيس فـِخـِم"على حد تعبيره. والحمد لله لم يصل أبو لهب المسلم لرئاسة الجمهورية، ولا حتى "الفـِخـِم".
كان عم حسين أحد المترددين على ميريت بكثرة والجالسين معنا دوماً، بود شديد وأريحية كبيرة، وبذاكرة لا بأس بها أبدى للشعر والأغاني اهتماماً، حتى حسبت أنه صديق لأحد الشعراء الكثيرين الذين يعبرون بالدار الدافئة والكبيرة مقاماً ودوراً، قبل أن أفهم أنها لأسباب تجارية، استطالت بعمق الصداقة التي بناها بعدد لا بأس به من أصدقائي.
هكذا كنت أتخيل أن يرد علي من زاوية أيدولوجية مؤكدة، ولكنه تابع بحماسة "طيب بذمتك دي خلقة الواحد يصطبح بيها متعلقة في مكاتب الحكومة؟!"قالها بحرقة أثارت ضحكي، ليتابع مرة أخرى بجدية ما "لا والله بجد يا عم علاء، طيب يعني السايح من دول ينزل المطار يشوف الخلقة دي ويرجع أزاي طيب؟!".
يجادل بعض أصدقائنا من الإسلاميين بتفاصيل كثيرة عن فكرة واحدة: الغرب الشرير الذي يريد مسخ هويتنا وحضارتنا، يبدأون من أول تكليف أتاتورك بهدم الخلافة، أو للحق يبدأون من عمالة رفاعة الطهطاوي لفرنسا ومحمد عبده للإنجليز، عابرين بعمالة سعد زغلول للقمار تقريباً وكونه ربيباً للورد كرومر، غير ناسين - طبعاً - طه حسين، ولا نجيب محفوظ، ولا الرئيس المؤمن أنور السادات الذين قتلوه بأنفسهم، أو قتله بعضهم.
يجادلون بكل حمية، وكل حماس، في أن كل تطوير للدين هو بسبب العمالة، وأن كل تحديث للسياق هو بدع مكروهة والعياذ بالله، وأن كل هذا التاريخ تاريخ منحول من خونة ومتهاونين ومتعاونين وكفرة، وبالطبع سيضمون أحمد لطفي السيد لو يعرفونه من أصله، دعنا من لويس عوض، فيكفيه اسمه.
طيب، وإن كانت مسألة هيمنة ثقافة على أخرى مثاراً لجدل أكاديمي برع فيه أصدقاؤنا الشيوعيون من دول الجنوب عامة، وإن كانت زاوية "إعادة كتابة التاريخ"لها بريقها الحاد لدى أي ذهن حاضر وإبداعي، فيمكنني فقط أن أسألك كيف اختار الإسلاميون لأنفسهم، بمحض إرادتهم ورغبتهم، مظهراً أشبه بأبي لهب وأبي جهل في الأفلام المصرية الإسلامية القديمة؟! كيف تحول "المسلمون" - كما يروق لهم تسمية أنفسهم - إلى "كفرة"؟!
كيف راقب المصريون بذعر في جمعة الخلافة الإسلامية أو ما شابه، التي دعت لها كل الحركات الإسلامية السلفية فأتي لها الناس من 17 محافظة كاملة، بميكروباصاتهم بأكلهم بأطفالهم بزوجاتهم بذقونهم بجلاليبهم بزبيبتهم، ليعجزوا عن ملء شارع سموه تجاوزاً بميدان النهضة، كيف راقب المصريون هؤلاء "المسلمين"وهم يصرخون في وجوههم، ويتشنجون فوق المسرح، في حدث حرص دهاء العسكر على كونه التظاهرة الوحيدة في تاريخ مصر التي تفتح فيها ميكروفونات التلفزيون بلا وقت محدد، ويغطيها الأخير بـ"كريين" - رافعة كاميرا - تصول وتجول في بانورامية، لتصل أصداء المشهد العجائبي لعيون كل المصريين، حين خطب فيهم "المسلمون"ثم تبعوا الخطبة بصلاة صلوا فيها صورة "الفتح"دون غيرها من سور القرآن الكريم.
كتبنا كثيراً في خيانة النخبة، ولكن، دعنا فقط نسأل: كيف تحولت صورة خيرت الشاطر إلى صورة أشد قبحاً واستغلاقاً من صورة عدلي كاسب في فيلم هجرة الرسول؟! كيف فاقت حقيقة رجل الإخوان المسلمين القوي خيال مخرج الفيلم في دور أبو جهل؟! بل كيف يتحمل بعض المصريين ما لا طاقة لهم به، فقط من أجل ألا يرجع هؤلاء؟!
وفي سياق متصل، وفي أرجاء ميريت أيضاً، قال لي الموك (اسم تدليل صديقنا أحمد أبو المكارم) إنه يتمنى فوز شخص يليق بالرئاسة، "رئيس فـِخـِم"على حد تعبيره. والحمد لله لم يصل أبو لهب المسلم لرئاسة الجمهورية، ولا حتى "الفـِخـِم".
...................................................................................
نشر هذا المقال في جريدة العربي الجديد بتاريخ ٤ فبراير ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا
↧
الوطن ليس مسلسلًا
أنهى الفنانون عملهم: كانت هناك كلمات عربية مرسومة فوق الحائط.
توجه الفنانان المتحمسان، شاب وفتاة، لمسؤولي الإنتاج مبلغين إياهم أنهم قد أتموا عملهم، لم يتفحص أحد ما كتبوه، فقط ألقى أحدهم نظرة عامة، راق له المشهد؛ بدا فعلا كأرجاء معسكر للاجئين في سورية، شكر الفنانين وصرفهم.
بعدها ببضعة أسابيع، كان "دون ستون"، أكبر أعضاء الفريق الثلاثة، المسمى بـ "فناني الشوارع العرب"، يبدأ في التوتر جالسا إلى مكتبه، هل اكتشف المنتجون الأمر؟ راجع حسابهم البنكي: حسنا، لقد نجحوا. لقد دفع منتجو مسلسل "الأمن الوطني" (homeland security) مقابل خدماتهم فعلاً، ولم يراجع أحدهم الأمر.
كتب الفنانان، كرم كب وهبة أمين، العديد من العبارات، كان من أبرزها "الوطن عنصري".
جلسوا ينتظرون إذاعة الحلقة، لم يعرفوا أي حلقة هي في الموسم الجديد، ولكنهم كانوا محظوظين، ولم يضطروا لمشاهدة العديد من حلقات المسلسل السخيفة، لقد ظهرت عباراتهم في الحلقة الثانية بعدها بساعات، وكان بيان مجموعة "فناني الشوارع العرب"الذي أعلن عن اختراقهم للمسلسل (هي نفس مفرد hack التي ألفناها إلكترونيا)، ليكتب أن حلقات مسلسل الوطن عنصرية، ومليئة بالتضليل والادعاءات والدعاية للوطن الأميركي العظيم.
كتبت العديد من الجرائد الشهيرة عن الموضوع، وتناولتها العديد من البرامج الأميركية الساخرة، وكان حظي حسنًا حين عبرت بمكتب "دون ستون"، في ضاحية البرينزلاوبرج البرلينية الشهيرة، بعد إطلاق فيلم المجموعة القصير "الوطن ليس مسلسلا"عبر الإنترنت.
وعندما وصلت، حيّاني ستون بحفاوته المعتادة، ثم سألني إن كنت قد سمعت عن المقلب الذي فعلوه، أجبته بأنني قد سمعت شيئًا ما عن هذا، ولكنني أود سماع الحكاية كلها، قال لي هناك ما هو أفضل، شاهد هذا. وضعت السماعات وشاهدت الفيلم، ولكنه لم يكن تسجيليا فعلا، كان فيلماً فنياً يتناول ما حدث، ويقول وجهة نظر الفريق فيما فعلوه، قال لي ستون إن المخرجة الأميركية الشهيرة "لورا بويتراس"الحائزة على جائزة الأوسكار، قد استضافت إطلاق الفيلم عبر موقعها الإلكتروني المخصص لحرية التعبير.
في نهاية الفيلم استشهاد باختراق آخر، من فيلم "ويسترن"أميركي، حين يتلفظ الممثل ذو الأصل الأميركي بشتائم للغازي الأوروبي الأشقر الواقف أمامه، دون أن يفهم فريق التصوير الهوليوودي ما يتلفظ به، كنا نضحك أنا وستون على فكرة أن ما فعله الممثل، وما فعلوه هم، كان مدفوع الأجر، كان ستون مدفوعا دائمًا بنزعته السياسية، تذكرت كيف قابلته في المرة الأولى عبر صديقي العزيز مجدي الشافعي، مبدع رواية"مترو"المصورة، وكيف زرته لأول مرة في مكتبه، حين كنت أتأمل اللوحة التي يرسمها الصديق الفنان عمار أبو بكر، فوق حائط مجاور لمكتب ستون، مصورا شيماء الصباغ، كنت جالسا في برد برلين، مستعينا بشاي ساخن ولفافة تبغ جيدة، وبجواري كانت إيلين، التي ستعيش درامتها الشخصية بعد قليل جدا، حين يحتجز حبيبها المصري، الدكتور أحمد سعيد فور وصوله لمصر.
سألته: "ألم تخش أن يكتشف الأميركيون ما فعلتموه"؟ ذكرته بمشكلته مع السلطات المصرية حين صادرت كتابه "حوائط التحرير"قبل أقل من سنة، قال لي: "طبعا! كنت أنتظر ذلك، لكن لم يراجع أحدهم على أي شيء.. أي شيء البتة"، وددت أن أخبره كم أجد الأمر سخيفا حين يحضرون أحد الممثلين ليتلفظوا بأي كلمات ذات أصوات حلقية، ثم يبيعون ذلك للمشاهد الأميركي على أنهم "الارهابيين العرب"، كان ستون سعيدًا بما فعله، وكنت أنا سعيدًا أيضًا.
الوطن، ليس بالفعل، مسلسلًا مملا مليئًا بحكام كاريكاتوريين وأحداث لا تصدق.
فقط، لم أخبره أنني عندما رأيت الأخبار عما فعلوه، لم أفهم العبارة على محمل آخر، نعم: الوطن فعلا عنصري.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
نشر هذا المقال بصحيفة العربي الجديد في ١٨ فبراير ٢٠١٦، يمكنك رؤية المقال الأصلي هنا
↧
في مديح إبليس
كانت لدي مدونة، أو بالأحرى، كنت نشيطاً في مدونة أمتلكها، وفي يوم من الأيام، وجدت مستخدماً يدعى "إبليس"يكتب لي: "هل أنت من كان يكتب في سلسلة مجانين وصدرت له رواية باسم كذا؟".
كانت التدوينة في عام 2005، والرواية التي قصدها لم تكن سوى فصلين من روايتي "اليوم الثاني والعشرون"قد نشرا في أخبار الأدب، وقتها كنت قد كتبت "مجانين"بالاشتراك مع أصدقائي الأعزاء أحمد العايدي ومحمد فتحي ضمن آخرين، ثم مجموعة قصصية بعنوان "الضفة الأخرى"في عام 2000 و2003، لم تكن "إنجيل آدم"قد صدرت بعد، ولا "اليوم الثاني والعشرون".
كان "إبليس"أو "بيسو"، اسماً مستعاراً لأحمد ناجي، وكان يمارس عبره كل ما يمكنك تخيله من جنون وتمرد، بدأت في متابعة ناجي، وأُعجبت تماماً بما يدونه من خيال بديع على مدونته، كيف يتخيل استيفان روستي في العتبة مثلاً، ثم صرنا نتبادل الملحوظات الإلكترونية بين وقت وآخر.
كنت فخوراً بأن أعرف شابا قد قرأ مجانين وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكنت معجبا بأسلوبه في تفكيك كل شيء، أخيرا صدرت روايته الأولى "روجرز"التي أعجبتني وكتبت عنها، وبعدها بسنين طويلة، ذكرني أحمد العايدي أنني من حرضت ناجي على كتابة الرواية، جالسين في قهوتي المفضلة في وسط البلد.
كان ناجي متمرداً، يعامل أجواء القاهرة الجديدة عليه بمزيج معتاد من السكون والسلاطة، فيكون سليطا بشيء من الوداعة كإبليس، ثم وديعا بشيء من السلاطة كأحمد، مضت به الأيام وكالعادة في حالة كاتب موهوب شاب انقلبت الآية، أو لم تنقلب في الحقيقة، أحمد لم يعد وديعاً لا عبر الإنترنت ولا في الحياة الدنيا، لقد فقد الخفر والتردد المبدئي في مواجهة القاهرة، والحياة ككل، هذا الشاب المتمرد الوديع شبه البريء الذي أخبر أخته بفخر أنه قد قابلني أخيرا في القاهرة، قد زج بنفسه في عالم من أزحم عوالم القاهرة وأكثرها قسوة وبريقاً: الطريق ما بين وسط البلد والمهندسين، والبشر في ما بينهما.
ناجي، هذا الشاب الذي يمكن أن تلخص حكايته حكاية جماعة كاملة من شباب مصر تحت الثلاثين، العديد منهم قد تحولوا لروائيين وإعلاميين وكتاب، والذين تربوا في أحضان جماعة الإخوان المسلمين، أو في عائلات سلفية حتى، ثم صحوا، وأبصروا، ثم تمردوا.
كان ناجي أكثرهم تمرداً، ومن أكثرهم موهبة، كانت مسيرة ناجي القصيرة هي أكثر ما يماثل الانسلاخ، أو الولادة، المعجزة الحقيقية التي نشهدها كبشر، المعجزة الوحيدة الحقيقية التي نصنعها كبشر.
بدا لي أحياناً أن هذه الجماعة، في جيل أوساط العشرينيات وأواسط الثلاثينيات الآن في مصر، هي سبب للفرح وسبب للحذر، فإن كانت قد انسلخت من معاطف الجماعة، وهو كل أسباب الفرح، فهي حذرة تماما من العلمانية، وهو سبب للحذر، إلا أن ناجي قد استأثر بكل أسباب الفرح، ولم يدع سبباً لأي حذر، إلا من قبيل ما نشهده دائماً من تنافر شخصي، أو أيديولوجي بداخل الهم الإنساني الكبير.
كان ناجي، بكل استفزازاته، وبكل سلاطته، وبكل خفة إحكامه أحيانا، ونزقه، وصلفه الأبله، هو نصر حققه التطور في هذا البلد، شخص يمكن للدولة المصرية الحديثة أن تقول: لقد تربى في بيوتنا وتعلم في مدارسنا، ولم يكن جاهلاً، لم يتحول إلى يميني متحفظ، ولم يتحول - بالطبع - إلى إرهابي، هذا الفتى في التاسعة والعشرين، أو في الثلاثين، هو نتاج كل ما حاولنا تنميته في مثل هذا البلد.
وكيف تكافئ مصر هذا الشاب، هذه الجماعة التي تركت الجماعة من أجل فضاء أرحب وأوسع؟
تكافئها بسنتين من الحبس في مقابل الإبداع.
...........................................................
نشر في جريدة العربي الجديد في ٢٥ فبراير ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا.
↧
↧
الشعب في خدمة الجميع
قبل ثلاث سنوات، كنا مع العم حسين، صديق الأدباء وجليس المثقفين، أنا وثلاثة من الكتاب المحترمين، في قهوة شعبية صغيرة، تشرف على المدافن في منطقة مصر القديمة.
كان الرواد القليلون يستمتعون ببعض من الشاي الخمسينة وما تيسر من أنفاس الشيشة القص أو التمباك، كان الجو عصرًا، ونسمة رقيقة تهب علينا من حيث يرقد الأموات بلا قلق، والنور في الهواء لطيف لا يعقد الحاجبين.
كان الرواد القليلون يستمتعون ببعض من الشاي الخمسينة وما تيسر من أنفاس الشيشة القص أو التمباك، كان الجو عصرًا، ونسمة رقيقة تهب علينا من حيث يرقد الأموات بلا قلق، والنور في الهواء لطيف لا يعقد الحاجبين.
كنت أجرع من كوب الشاي أمامي عندما وجدت هذه الكتابة بخط مهتز، ولكن تصميمها ظهر عبر إتمام العبارة "الشعب في خدمة الجميع"!
التفتّ إلى العم حسين، وسألته "ما هذا؟!"، ضحك وشرح لي أن الحاج صاحب القهوة قد تملكه الحماس، بعدما نجحت الثورة، فقام بإزالة عبارة "مبارك نعم" -التي زاحمنا بها الأمن في عدة مناطق في الثمانية عشرة يوما الخالدة-، وقرر كأي مواطن شريف، كتابة عبارة فخيمة تليق بالمرحلة.
وبينما أنا أرشف الشاي مجددًا، وأنفث بعض دخان المعسل الذي تتبدل أحجاره بسرعة الصاروخ، أخذت أفكر في التركيبة اللغوية التي اعتمدها الحاج لكتابة شعاره، بالطبع تستدعي التركيبة شعار البوليس الخالد "الشرطة في خدمة الشعب"، وهو الشعار الذي تتقاسمه معنا بضعة بلدان عربية، حتى وصل الموضوع بالنظام الأسدي لتقديم "جهود"الشرطة في برنامج سوري يحمل ذات الاسم!
لا أعرف شخصيًا من ابتكر هذا الشعار: لعله تقليد اعتيادي لشعارات أوروبية، لكن المعنى كان موحيًا، دعنا نركز فقط في مصر: وزير الداخلية شعراوي جمعة (وهي نفس تركيبة اسم المليجي طه مثلا) يرعى مؤتمر المثقفين في عام 68 ومعه مستقبل مصر الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، ثم نرى السيد ممدوح سالم الذي كان وزيرًا للداخلية ثم رئيسًا للوزراء، لا يمكننا قول أي شيء يزيد عما يقوله لقب النبوي إسماعيل: الدموي إسماعيل.
نعرف زكي بدر طبعا، وعبد الحليم موسى شيخ العرب، وصولاً لحسن الألفي، وهذا الرجل يحسب له شيء، لقد قرر التوقف عن مثل هكذا سخافات، لم يغير من خدمات الشرطة للشعب، ولكنه غير الشعار أصلا في مرحلة من التصافي والشفافية والانفتاح، ليجعله "الشرطة والشعب في خدمة الوطن".
ما زلت أتذكر حوار له قرأته في العزيزة "روزا اليوسف"حين قال بكل أمانة: "نحن نسجل للناس ومن يخاف لا يتكلم ونحن لا نعمل لحساب إسرائيل"!، كان رجلا أمينًا، انتهت حياته المهنية بصوت حلقي من مبارك -وهو الوطن طبعا كما نعرف- بعد مذبحة الأقصر، ثم أتى مبارك بكمال شناوي الوزارة، اللواء حبيب العادلي، أو "حبيبي إلعبلي"مثلما ذهب أحد الأصدقاء بدون ذكر أسماء، طبعا.
انتهت مسيرة العادلي بصوت حلقي كبير من الشعب، ليأتي اللواء محمود وجدي، ليقرر إعادة الشعار القديم "الشرطة في خدمة الشعب"، وهو الأمر الذي تصفه صفحة كلية الشرطة على الإنترنت بـ "ليبدأ جهاز الشرطة مرحلة جديدة في تاريخه يؤدي دوره الوطني في إطار يقوم على: الديمقراطية والنزاهة وسيادة القانون وعدم التدخل في الشأن السياسي"، والنتيجة معروفة.
ويبدو أننا لا نحب الصريحين والنزيهين والشفافين مثل حسن الألفي، بالضبط كما هي سخرية حياتنا: كيف يضطر الناس لخوض حروب مع من يفترض بهم حمايتهم: مع من يفترض بهم تطبيق القانون!
قابلني العم حسين في ميريت بعدما توقف عن شرب الشيشة، ليقول لي إن الرجل، بإخلاص مواطن صالح بوليسي، قد أزال عبارة "الشعب في خدمة الجميع"، لا أذكر أنني سألته عما كتب مؤخرًا من عدمه، ولكنني أذكر أن عم حسين قد لامني على ذكر هذا "الإفيه"في حضور إبراهيم داود الذي كتبه على صفحته في موقع فيسبوك، قلت له: لا عليك، إبراهيم داود صياد جواهر أيضًا، والشكر للحاج البوليسي الشريف.
فتحت موقع فيسبوك، وقرأت وشاهدت ما تيسر من خطبة الرئيس طبيب الفلاسفة عبد الفتاح السيسي، قلت لنفسي إن الحاج قد تسرع، عبارته الصادقة هي أليق ما يمكن إطلاقه على المرحلة: الشعب في خدمة الجميع.
"صبح على مصر".
...............................................................
نشر هذا المقال في جريدة "العربي الجديد"في ٣ مارس ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا
↧
المهرج ذو البلطة
كنا في مقهى قريب، نستريح من "تمشية"برلينية طويلة، ثم قادنا الحديث عن العلاقة ما بين المرأة والرجل لحكاية مثيرة: روت لي "يوفيتا"أنها رأت فيلمًا تسجيليًا، يتحدث عن قرية صغيرة في ألبانيا، حيث قررت بعض النسوة أن يتحولن قانونا لرجال، لا ليس لرغبات دفينة هنا أو هناك، بل من أجل المشاركة في القرار السياسي والإداري في القرية، المقصور على الرجال فقط!
ولكن الجميع يعرفون أنهن كن سيدات!
قلت متعجبا، فردت عليّ:
المجتمع هناك لا يحترم إلاّ الرجال، هكذا كان عليهن التحول لرجال..
نعم، ولكن الجميع سيعتبرهن نسوة في الأساس، لا أتخيل أن يعاملهن كما يعامل رجل بالولادة، لِمَ لم يمارسن السياسة والإدارة وهن نساء كما هن؟!
هذا ما جرى! وأنا أحترم هؤلاء النسوة.
طبعا، هكذا أجبت، من باب أنهن يهتممن بإدارة شؤونهن الأوسع من مجرد بيت صغير هنا أو هناك، ولإيمانهن بدورهن في العمل الإداري والسياسي، ولكن هل نعتبر تحول هؤلاء النسوة إلى رجال هو "إيمان بدور المرأة"؟! ظللت حائرا، الموضوع لم يكن مثل مناقشة قديمة حامية، مع صديقة عزيزة كانت فخورة بأن النساء يقدن "التريلات"، وأنا شخصيا لم أجد ذلك فتحا بأكثر من كونه غريبا، أول قائدة طائرة مدنية إنجاز بالطبع، ولكن سائقة "تريلا"؟! الموضوع هنا تعدى مسألة السياقة، ودخل في مستوى آخر أوحى لي بالقهر والعجز لا بالانتصار.
بعد هذا الحوار بشهر، فتحت لي يوفيتا صفحة إنترنت تحكي عن هؤلاء النسوة، أخذت أحدق في صور الرجال الذين كانوا نساء، الملابس، الإكسسوارات، القبعات فوق الرؤوس، طريقة الوقوف أمام عدسة الكاميرا، لا أنكر أن مظهر بعضهم لم يشِ أبدًا بما كان عليه الماضي، ولا حتى ملامحهم، سألت نفسي كيف يجلسون في الحانات؟ وهل من المفترض أن يحنوا رؤوسهم خجلًا إن استبان من امرأة أخرى عري غير مقصود؟ وما كان رأيهم في حمامات الرجال في الأماكن العامة؟ (قلت لنفسي هي قرية! أي سؤال سخيف هذا!).
طيب دعنا منهن، ما هو شعور الرجال "الأصليين"تجاه الموضوع بأكمله؟! هل سوف يضربون متحولا على ظهره أثناء المزاح بالقوة نفسها التي يضرب بها الرجال بعضهم؟! هل سوف يستدرجون المتحول لقول رأيه في النساء وكيفية كسب قلوبهن؟!
ظللت حائرا، وبدا الموضوع برمته عجيبًا وغريبًا، ثم قرأت خبرا عن أن مصر قد أصبحت رئيسة المجلس العربي لمكافحة الفساد، فقلت لنفسي إن اسمه الحقيقي هو "مجلس الفاسدين لمكافحة الفساد"، قلت لنفسي حسنا، هو الوطن العربي ومشاكله ونكاته وما إلى ذلك، ثم مضيت أكثر لأتذكر كلمات مثل "تعويم العملة"، و"الإصلاحات الاقتصادية"، و"الأمن القومي"، و"كاميرات مراقبة المرور، طبعا"، إذن لماذا أعترض على تحوّل نسوة لرجال من أجل السياسة؟! لماذا أجد هذا غريبا؟! طيب ألم تكن هي قناة سويس ثانية؟!
يعرف الكتّاب أن مزج المتقابلات يقوي الأثر التي تتركه الفكرة، هكذا كانت فكرة الخطيئة في مكان العبادة مثلا، أو الوحدة وسط الزحام، أو الأعمى البصير، أو ما فعله ستيفن كينغ في روايته الشهيرة "الشيء": الوحش الذي يأكل الأطفال يظهر غالبا في صورة مهرّج ضاحك، لكننا لسنا في أرض الخيال، نحن في أرض تحاكم الخيال بخيال مريض مقابل.
هكذا يحاكم الكاتب الصحافي والمدون والباحث المصري إسماعيل الإسكندراني، من قبل مهرج معه بلطة، ليحبس احتياطياً أكثر من مائة يوم في السجن، بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية
...............................................
نشر المقال في جريدة العربي الجديد في ١٩ مارس ٢٠١٦. لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا
↧
العدل أساس الملك: في الحركة والسكون.
"وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، آيه قرآنية، يستشهد بها الكثيرون من الحكام والقضاة في العالم العربي،
بالإضافة إلى عبارة شائعة أخرى، ينسبها الناس تارة لأبي حامد الغزالي، وينسبها بعضهم لمجمل أعمال ابن خلدون، وهي "العدل أساس الملك". صحيح أن العدل هو قيمة إنسانية عامة جدا، ولا يمكن قصرها على ثقافة بعينها، ولكن في حالة مجتمعاتنا الإسلامية نجد العدل في القلب؛ هكذا كانت ثقافتنا في روحها، عدالة في وجه الظالمين، المستكبرين، الفخورين بذواتهم والمتجبرين. فكان العدل أساساً وميزاناً، ولا توجد سبة أسوأ من أن تكون ظالمًا، "لأن الله ذاته العدل، والعدل يعني الحق، والحق حبيب الله"، كما يقولون، وهو اسم ثان للذات العليا.
هكذ ينتقد كثير من المفكرين غياب العدل في ثقافة ارتكزت على مفهوم العدل، ليس فقط كعملية قضائية، ولكن كأساس لتقييم السياسة ذاتها، فقال ابن تيمية إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، فالعدل، مرة أخرى، هو أساس الملك.
إذن، فما دام الحاكم عادلاً، مادام حاكماً. لا يهم لكم من السنوات، لا يهم، ما دام عادلا، يستدعي عدله حق بالسياسة والرياسة والتولي.
هكذا ننظر للتداول الديمقراطي باعتبارها آلية لنظام سياسي قد ينوجد فيه العدل بشكل أكبر من النظم الأخرى، بينما تحولت العدالة في مجتمعات أكثر تطورًا منا لقيمة، أغلب الأنظمة الرئاسية تحدد فترة الرئاسة بمدة أو مدتين، وحتى الأنظمة البرلمانية، التي بطبيعتها لا تقيد عدد مرات تولي رئاسة الوزراء، صار هناك مفهوم عام أنه لا يجوز أن يبقى أحدهم حاكمًا لمدة تتجاوز العشر سنوات أو ما يزيد قليلا. في وطننا العربي نقول: وما قيمة هذا إن كان عادلا؟ هل نترك الرجل من النشامى (وكلهم نشامى مغاوير) من أجل ما لا نعرف؟
سنسأل هنا، أي عدل هو؟
لقد نشأت في مصر، وأعيش فيها، وحين كنت تلميذا في الفصل، كان يمكن أن يضرب المدرس الطلاب جميعهم لعجزه عن تحديد من فعل شغبا ما، فيعاقب الجميع بحجة "المساواة في الظلم عدل".
يمكنني أن أقول، في الحقيقة، "أي عدل هذا؟!"، ويمكنني أن أقول "هكذا نرى كيف تفسر النخبة الحاكمة عدلها"، ولكن الحقيقة بعيدا عن سخف التفسير السابق للعدالة، ولشمولية مبدأ العدالة والإنسانية نفسه، أن لكل زمان عدالته: لذا تتوالى القوانين التي تتغير بتغير المجتمع، وهكذا يكون لكل عصر تشريعه، وقانونه، وعدالته.
لكن لدينا نقول إن الأساس في الحكم ليس تعاقب الأجيال، التي تحدث قانونها وعدالتها بما يلائمها ويلائم عصرها، بل إننا نقول إن عدل الحاكم هو أساس حكمه، ودعنا من ظلمه الشائع الذي يراه عدلا، فحتى ولو كان "عادلا"فعلا، فهذا يعني أن تستقر طبقة بكاملها بمفهومها ليس فقط عن العدالة، وإنما عن الفن، والثقافة، والسياسة، والتعليم، والفلسفة.
يعني أن تتجمد مجتمعاتنا لمدد قد تصل إلى ثلاثين عاما أو أربعين عاما أو أكثر من هذا -في ظل سيطرة عقلية بعينها لا أشخاص بعينهم- حيث تأتي السلطة من ثقافة تثبت الحاكم، ليثبت الحاكم هذا المجتمع في عملية دائرية، تحاول تكسيرها وتهشيمها أفكار الديمقراطية التمثيلية، ومبادئ التداول وحقوق الإنسان، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في الروايات والأفلام، في برامج المؤسسات الأهلية.
نعم هناك سباق لعقل جديد يؤمن بالتغير والتداول، وبأن لكل جيل، أو أجيال متقاربة، مفهوما عن الحياة قد يختلف كثيرا أو قليلا عن الأجيال التي سبقته أو التي ستعقبه. لكن هذا دوما يصطدم بالعدل الذي هو أساس الملك، أو، بالأحرى، بالملك الذي يستخدم العدل.
ثم نسأل، ما الذي أوصلنا للسيسي؟!
ثم نسأل، عدل السيسي؟!
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
نشر في العربي الجديد بتاريخ ٣١ مارس ٢٠١٦، يمكنك رؤية المقال الأصلي هنا.
↧
كليم الله فرعون
وأخذ الرئيس، يقولون إنه رئيس، عبد الفتاح السيسي رئيس مصر، يقولون إنها مصر، يتحدث لدقائق طويلة، وحدث أن حاول أحدهم الحديث، لينتفض الرئيس الهصور "أنا ما اذنتش لحد يتكلم".
قالوا إنها جلسة للحوار الوطني مع ممثلين لـ”الرموز”، وبصرف النظر، أو في الحقيقة هو رصف للنظر، عن اعتراضنا على ذهنية مصطلح الرموز، فقد كانت الأسماء المدعوة تنتقل بنا من الذهنية إلى الذهان، لنكاد أن نتحول لـ”سيساويين” صغار، محدثين أنفسنا أن مثل هذه الأسماء ينبغي إسكاتها طبعًا، أو، من باب أولى، يجب منعها من التكاثر.
يبدو علينا أن نراجع أنفسنا، قبل قول حماقة كهذه، لأن هناك منا من يقولون، في كل مكان ممكن، إن الرجل قاتل، ولكن. لكن هذه قد يتبعها بعض الأشياء مثل أن الجزيرتين التي تخلت عنهما مصر للسعودية هما سعوديتان من الأساس، أو أن عدد المعتقلين مبالغ فيه، أو أن كل هذا العسف الذي ينزل بنا هو نتيجة ارتجالات فردية أو يمكن عزوه لمؤسسة بعينها، أو أن الرجل لم يعرف بقرار حبس الروائي المصري الشاب أحمد ناجي (والذي ذهب للمحاكمة فإذ به يذهب لكمين)، بالطبع غير درة التاج: "هم لا يعلمون ما يفعلون"، وغير ذلك من الأقاويل التي تفكك كل ما يمكن انتقاد الرجل به، ثم يقولون إنه قاتل، وإن جئت للحق، كما يقول المصريون، فقد كان يقتل أعداء الوطن المهددين لهويته وأمانه، وهي السياسة كما تعلم.
من الوارد جدا طبعًا أن تكون الأشياء أو بعضها هي غير مما تظهر عليه، كما أن المبالغة في تصوير الدولة كإله محيط عارف بكل شيء هي فكرة سخيفة بلا شك، ولكن، أرجو منك التركيز قليلًا:
نعم، من بيننا من يدعون أنه قاتل، ولكنه حقانيّ.
إذن لماذا نزعل من هؤلاء "الرموز"؟ قد يبدو الأمر، من وجهة نظر لا تتسم باللباقة، أن من حضروا هذا اللقاء يعلمون دورهم جيدًا جدًا، هم على وعي بدورهم: ممثلون "كومبارس"يمنحون "الرئيس"فرصة التكلم للجماهير الغفيرة، من باب أن هناك "حوارًا"وطنيًا يتم، وهي الصيغة الأليق من توجيه خطاب مباشر للشعب يحمل شبهة الإملاء والانفراد بالرأي والسلطوية- وهي ذات التهم التي رمي بها السيسي بعد قراره الصاعق في مسألة الجزيرتين، وهي على كل شيء ليست صحيحة: لقد استشار الاسرائيليين. إذن يمكننا أن نتخيل، على حق أظن، أن هذا الوغد، من طلب الحديث بلا مبرر، هو من لم يفهم دوره في جمع كهذا، وهو السبب في قول "الرئيس"الجملة التي أفسدت كل هذا الإخراج الديموقراطي: هو لم يأذن لأحد بالحديث. ثم قطع التليفزيون إرساله- يبدو أن أحدهم في ماسبيرو ما يزال يتمتع بالحياء.
لم يأذن لأحد. العبارة ليست فقط عجيبة، بل تحيلك دونما قصد لفرعون موسى، الذي كانت مشكلته أن سحرته قد آمنوا قبل أن يأذن لهم، في بلد هي الأولى- على عكس كل سياقات الأنبياء في الكتب المقدسة- التي يأتيها رسول لا يتوجه بالدعوة لأهلها، بل ليدعو بعض أهلها للخروج منها مباشرة. قبل 3 آلاف عام، تقريبا، يقولون إن هذه الحكاية قد حدثت، وبعد كل هذه السنين، يبرز لنا فرعون يدعي أنه موسى بنفسه: كليمًا وذا عزم.
انتهى إذن واحد من أرسخ الأمثال الشعبية المصرية: من تظنه موسى، يكون فرعون. لا، لقد وحدنا المناهج.
"وماذا يفعل الفرعون؟ يتخلى عن جزر. وما يقوله موسى؟ “سأدخل السوشال ميديا بكتيبتين” و”ل يتكلم أحدكم في هذه المواضيع ثانية”، أو “هناك من يصعدون للباصات من اجل نشر الاشاعات”، ثم “لقد ربتني والدتي على احترام الحقوق….”، أو يحادثنا ،كأننا زوجته السيدة الفاضلة انتصار. بالطبع هذا انجاز اننا فهمنا أكثر من جملة واحدة من جمله التي تلغز عن الفهم، عادة.
.مصر؟ هي جوثام سيتي، التي يحاولون حمايتها من الأشرار.
...................................................................
نشر هذا المقال في موقع هنا صوتك بتاريخ ١٥ ابريل ٢٠١٦، للمقال الاصلي يرجى الضغط هنا
↧
↧
خالد على رئيسًا لمصر
ما فعله خالد علي في جمعة الأرض يجعلني أفكر: إذن يمكن لهذا السياسي الشاب أن يكون رئيس جمهورية يوما ما.
أراد السياسي حقن الدماء، وأرادت السلطة فض المظاهرة. التقت الإرادتين، وتناغمتا وأثمرتا عن موقف وسطي: فض التظاهرة ولكن بعدما أثبتت وجودها، اعتقال خمسة وعشرين شابًا ولكن لم يمت أحد. كان خالد يعبر أمامي مغادرا الجمع، متحملا شتائم من كل حدب وصوب، يلتفت لأحدهم ويقول بعصبية "لا تزايد علي"!
نعم، غادر السياسي أرض المعركة بعدما حسب أرباحه، ولم يقعد البطل في وسط رفقائه الثوار. خالد ليس بطلًا، صحيح أن وجوده كان يحول بين الأمن والمتظاهرين، إصابة أو مقتل أو اعتقال خالد كانت ستصنع المانشيتات في مصر، وبالتالي في الخارج، وليس في مصلحة السلطة هذا وفرانسوا أولاند على الأبواب، ولكن ليس كل شيء بهذا الحسم، ماذا لو تكاثرت الجموع وقررت الاقتحام والمسير لميدان التحرير، ماذا لو قررت الاعتصام في بقعة حيوية ستضايق حتمًا مرور المدينة في أيام عمل جادة. كان من الممكن بالفعل أن يعتقل، أو يصاب، أو يموت خالد وبعض ممن معه، أو بعض كثير ممن معه.
كتب الصحافي المصري خالد البلشي أن سبب تحبيذهما خيار الرحيل، هو وخالد، أنه إن مات أحدهم، فسوف يجبن الناس عن النزول ثانية. حسنًا، بعض البراجماتيين قد يختلفون تمامًا مع هذه الرؤية، ولكن رايات الأخلاق سترفع: السياسيون الذين يتاجرون بدماء الشهداء، أو من ينتظرون دماء الشهداء. حسنًا، خالد سياسي هو الآخر، ولكنه سياسي حذق.
برز كمحام حقوقي، المدخل المعتاد لنجوم اليسار المصري، زاد من نشاطه بعد الثورة لحد ترشيح نفسه رئيسًا للجمهورية، وكان كاتب هذه السطور من منتخبيه المئة ألف. شارك في معارضة السلطة حتى انخرط في 30 يونيو، ولكنه سرعان ما استعاد راديكاليتيه في وجه الدولاتيين القدامى، وصارت سياسته، أو هي دبلوماسيته، التي اعتمدت على أمثلة خطابية، مثل الصياح بسقوط حكم العسكر في الأوبرا حينما كانوا يكرمون الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم. تضايق منه بعض أصدقائنا المشتركين، ثم نعتوه بما نعت هو بعض الناس في يوم جمعة الأرض: هذه مزايدة.
ولكن، من أكثر من المزايدين، الراديكاليين، من يستطيعون تسويق التنازلات الصعبة؟ أثبت الرجل، في هذه الجمعة، أنه رجل دولة يعتمد عليه، رجل منضبط، له تأثيره سواء في إذكاء المظاهرة أو في فضها. رجل انتهج الهدوء في مقابل الغضب، وانتقل بكل خفة ورشاقة من صياح ثوري إلى بيان إصلاحي. لم يخبط خالد رأسه في الحائط، أو هو لم يخاطر بفعلها.
ووجدتني أفكر في أمثلة مثل ليخ فاونسا. لولا ديسيلفا. نعم. لم أكن متفاجئًا حين روج أحمد شفيق نفسه باعتباره لولا دي سيلفا: يبدو لي أحيانا وكأن الصراع ما بين أجنحة الدولة المصرية يمكن تلخيصه، بشكل أو بآخر، ما بين مؤيدي تجربة البرازيل، تلك الليبرالية المتوحشة التي قادها- أو موه عليه- اليساريون، وبين محبذي ليبرالية الصين ذات النهج الآسيوي، مثلما يصفونها في الغرب.
دعني أقول لك إنني أظن، منذ كتبت هذه السطور إبان طلب السيسي تفويضه، أنني أراه كبينوشيه، بينوشيه سوف يفقد آخر مبررات وجوده مع تمرير قانون الخدمة المدنية، الذي سيفتح الطريق متسعًا للتخلص من خمسة ملايين مواطن مصري، ووراءهم 20 مليونًا آخرين تقريبا، ربما يبقى ليواجه التبعات الصعبة لهكذا قرار، أو لا، هي قدرته على المناورة وحيدًا هنا. وبالمضي قدمًا في هكذا تغير، فسوف تتوافر مصر كسله لعبيد الإمبراطورية الرومانية الجديدة، ربما تصبح الخمسون دولارًا مرتبًا يتقاتل الناس عليه، بعدما ماتت، ودفنت سنوات الميري.
وعندما يهدأ كل شيء، ونعرف من الفائز بالكعكة، الجيش أو الكارتيلات الدولية، وبصرف النظر عن ناتج هذه المعركة، دعونا نفتح صفحة جديدة، صفحة نستمتع بها بـ”المعجزة المصرية” (على نمط المعجزة الشيلية)، وأرقام النمو الكبير، وبالنظر في ناتج هذه المعركة: قد يكون القادم عسكريا، وقد يكون مدنيًا.
وإن كان مدنيًا، من أفضل من مناضل ما يزال شابًا، سيكون خالد في الرابعة والخمسين تقريبا بعد عشر سنوات، مناضل قديم وشاب، هتف دائمًا بسقوط العسكر، وهتف دائمًا بحياة الشعب، والأهم: يمكنه أن يكون رجل دولة. طبعة ذكورية من ديلما روسيف، أو طبعة شابة من لولا ديسيلفا.
وعندما قرأت اليوم خبر لقائه بأولوند، بناءً على طلب هذا الأخير، قلت لنفسي: لِمَ لم أتعجب؟!
قد يكون خالد علي أوباما المصري، في أرض أدمنت أن تعطي مُلكها لأبعد من يتوقع الناس. قد تتعدي وعوده الحقائق أو قد تتعدى الفارق ما بين الرجاء والكذب، ولكن، قل لي بربك: من سوف يرفض انتخاب أوباما. من سوف يرفض الابتهاج الهستيري بأوباما.
قل لي بربك، مَن مِن السياسيين سيرفض أن يكون أوباما؟!
................................................................................
نشر هذا المقال في موقع إذاعة هولندا الدولية- هنا صوتك، في ٢٢ ابريل ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا
↧
سيجارة في وجه دبابة
جلس معي، وطفق يحكي:
كان داخلا لمتجر ما، ومعه سيجارته المشعلة. واجهه رجل ملتح ذو ابتسامة عريضة، وقال له:
- من فضلك اطفئ السجارة يا أخي
نظر الشاب حوله ثم قال:
- ولكنني لا أرى يافطة "ممنوع التدخين"
أجابه الشيخ بذات الابتسامة:
- لقد طلبت هذا من الزبائن حولك واستجابوا
نظر الشاب حوله، بالفعل لم يجد أحدًا يدخن السجائر. لم يجعله هذا يتراجع، سأل:
- ومن حضرتك؟
- أنا أخوك في الله
- أقصد هل حضرتك صاحب المتجر؟
- لا.. أنا في الحقيقة أدعو لما فيه خيز السبيل
وبالطبع ناله من تقريع الشاب ما ناله، والذي أكمل تدخين سيجارته بهدوء، وبعد دقائق قليلة، كان من أجبروا على إطفاء سجائرهم يدخنون مرة أخرى.
كان هذا الشاب هو أحمد ناجي، الروائي الذي حُكم بسنتين سجنًا، من أجل كتابة رواية، رواية مارس فيها ما مارسه في حكاية المتجر؛ تمرده. صحيح الأدب لا يهتم بالتمرد كمنزلة أولى، ولكنه يهتم أكثر بالخيال، وهكذا مزج أحمد تمرده بخياله، في سبيكة تخللتها الموهبة.
ولكننا هنا أيضا نتكلم عن الواقع: ليست هذه حكاية في مناقب التدخين، ولا هي حكاية لجذبك إليه، بل حكاية عن سلوك فردي، حكاية خلاص فردي، كانت أملنا جميعًا حين نزلنا في ذلك اليوم البعيد القريب، مطالبين بأن نكون أحرارا، أن نكون سادة أنفسنا، ألا نخاف من بطش سلطة، سواء سياسية أو دينية. صحيح أن في الأمر قدر من التبسيط لو اعتبرنا ما حدث رمزًآ وعلمًا بعدما ودعنا الرموز والأمثال، وصحيح أن الأمر سيكون سخيفًا لو تحدثنا بطريقة "لو فعل كل منا هذا لكان…". هي حكاية. وأجمل منها أنها حكاية حياة، حياة ممكنة، وقريبة.
رجع أحمد إلى ما ظنه محاكمة، فوجدها كمينًا. رجع بعدما كان في وسعه أن يبقى حيث كان، في إيطاليا، التي كان فيها لزيارة قصيرة، ولكنه فضل الرجوع. كان أحمد، كما عهدته دومًا شديد الاستهانة بحكايات البطولة، ومثلي كان ينفر من الصراخ ونفر العروق، ولكنني كنت أشك، أيضا، أن تحت مثل هذا المظهر المستهين بكل شيء، تحت قصدية التهكم والسخرية، كانت تكمن روح لها سنتمنتاليتها الخاصة، التي تعمقت كلما كانت نبرة التهكم أعلى. أحيانا أظن ذلك، لِمَ رجع؟ قد يقول هو إنه لم يتوقع مثل هذا الحكم، قد يقول إن من حوله لم يتوقعوا ذلك، وهذا طبعًا صحيح، لكن الحقيقة تبقى: لقد رجع. كانت السلطة تتعقبه، وكان يمكنه الغياب فتقع عليه أقصى العقوبة—وللسخرية فقد نالها حضوريا—فتكون مبررا له للبقاء في أوروبا.
ولكنه رجع
تحدثني نفسي أحيانًا، بلوم، أنني وراء ذلك: كنت أتكلم معه في يوم، عبر الفيسبوك، فأخبرني بإشاعة أمنية مغرضة، لم تنتشر، عن لجوئي لأوروبا، إيطاليا تحديدًا. قلت له يا بني لقد رأيتني على القهوة منذ أسبوعين، وهل تصدق أنني أفعل مثل هذا؟ قال لي إنه كان يتمنى هروبي من أرض اللعنات هنا. وعندما سمعت عن خبر تعقبه قضائيًا على روياته، عبثت معه على صفحات الفيسبوك، متمنيًا له أطيب التمنيات في لجوئه السياسي المرتقب. دخل وعلق بعصبية لم أعهدها منه طوال سنوات معرفتنا الإحدى عشر تقريبا.
لقد تخيلت أن ناجي سيدخل ليهزل معي، لنسخر معا، ولكنني فوجئت بعصبيته. هنا فقط أدركت مدى الضغط الذي كان فيه.
هل كان مثل هذا الموقف سببا في رجوعه؟! لا أعلم، ولن أرجح كوني سببا، هذا أريح للضمير من ناحية، ومن ناحية أخرى، فأنا لست سبب كل شيء.
الحقيقة هي أنه رجع. كان لديه كل سبب لعدم العودة، ولن يلومه أحد، وسيكون متسقًا مع ذاته، ولكنه رجع.
سيخرج ناجي، سيخرج، أعلم. وأعلم أنه، غالبا، سيتحسس أي ربط ما بين كتابته وسلوكه ويناير، ولكنني سأدعه يقرأ هذا مرة أخرى؛ فسواء وافق أو لا، قصد ذلك أم جاء عفوا، فسلوك هذا الشاب في المتجر، لا يشبه من قريب أو من بعيد من يحتمون بدبابة في وجه الناس. لا يشبه من قريب أو من بعيد من يبحثون عن ولي أمر حريتهم، لا يشبه بأي حال من الأحوال هؤلاء "المتعقلون"الذين يدعوننا للهدوء لأنه لا بديل لنا. لا يشبه من بعيد هؤلاء الذين يؤثرون السلامة.
ستخرج يا ناجي، ستخرج، وحتى تخرج، أتوقع أن تمنح سجانيك أوقاتا تعيسة، كلما قدرت.
.....................................................
نشر هذا المقال في اذاعة هولندا الدولية- هنا صوتك في ٢٩ ابريل ٢٠١٦. للمقال الاصلي يرجي الضغط هنا
↧
القلم والصولجان: في الحديث والصمت (مقال قديم)
"أنت على حق.. نحن هكذا فعلًا". قالها عمر توريخوس، ديكتاتور باناما، لجابرييل جارسيا ماركيز وهو يحادثه عن خريف البطريرك. لم يخجل توريخوس من الاعتراف بأنه ديكتاتور، بل وأبعد من ذلك، لم يخجل أن يعترف بأن جنرال ماركيز يشبهه. ربما لم يقصد ماركيز توريخوس، صديقه العزيز، في كتابة سيرة جنرال منطقة الدومينكان التي لم يحددها، ربما كان إلهامه الأكبر شخصيات مثل فرانشيسكو فرانكو إسبانيا، وخوان فيسنت جوميز فنزويلا، وجنرال دولته بينيا. ولكن توريخوس، الوسيم ذو السيجار، لوّح له باستهانة معترفًا أنهم هكذا.
لكن مربط الفرس هنا، هو ما وصف به ماركيز روايته: "قصيدة عن عزلة السلطة"، ربما هذا أيضًا، العقلية التي وراء الكلمة، هو سبب صداقة ماركيز وتوريخوس الحميمة؛ لقد استطاع الروائي الأشهر أن ينفذ إلى عمق أزمة الديكتاتور الوجودية، كما يراها أو كما يجمل عداوته لها، فكلما تعاظمت السلطة واتجهت للإطلاق، كلما عظمت الوحدة أيضًا.
قضى ماركيز حياته في باريس معدمًا، في رحلة كرّرها إرنست همنغواي وخوليو كورتاثار، (والأخير وقف ماركيز الجائع المفلس ليراه عبر زجاج بار باريسي، فقط ليراه يكتب)، بسبب الديكتاتورية في بلاده التي حرمته أجر كتابته الصحافية، ومع ذلك احتفظ بصداقة متينة مع توريخوس، وصداقة أقوى مع فيدل كاسترو. ربما تبدو صداقته بكاسترو مبررة بشكل أو بآخر، ولكن الرجل حمل أرقام هواتف تسعة رؤساء آخرين، بينهم كلينتون. تعرّض ماركيز لانتقادات عنيفة بسبب علاقات مماثلة. لكن الروائي العظيم كان يملك رؤية تقول بوجود تشابه ما بين عزلة الديكتاتور وعزلة الكاتب الشهير.
ربما كان كرسي توريخوس الذي جلس عليه باعتباره "الزعيم الأعلى للثورة البانامية"، هو الكرسي ذاته الذي جلس عليه ماركيز باعتباره كاتب "مئة عام من العزلة"، حيث يحيط بالاثنين الأصدقاء المتوددون دومًا، والحريصون على إخفاء أي حقيقة قد تبدو مزعجة، أو غير متّسقة مع ما يريد صاحب النفوذ، السياسي أو الأدبي.
إذن تبدو المسألة وكأن علاقة ماركيز لم تكن، كما يفكر فيها على الأقل، علاقة تبعية، بل هي علاقة الندّ، علاقة المُعادل في القوّة وإن اختلفت الاتجاهات، هكذا يمكنه رؤية الأزمة في وهج القوّة، وهكذا أمكنه فهم المسألة بشكل إنساني، بعيدًا عن سخونة الإيديولوجيا.
ولكن، هل كل علاقات الكتّاب بالديكتاتوريين هكذا؟ لا نعرف تحديدًا، ولكن الخوف منهم، ومن فتكهم وتشويههم للسمعة بالحقّ أو الباطل، أو خوف آخر معتبر من "الذوبان في السياسة"يمنع كتّاباً كثيرين من مهاجمة الديكتاتور، أو على الأقل السكوت عنه. يقال إن تأييد الحكّام العسكريين هو سبب أساس في عدم حصول خورخيه بورخيس على جائزة نوبل.
على الجانب الآخر، يمكن تذكّر أرنستو ساباتو، الذي ترأس لجنة بحث مصير المفقودين والمعتقلين في تشيلي بعد انقشاع كابوس حكم أوغستو بينوشيه، وكذلك مقتل لوركا، أو مواقف خوسيه ساراماجو السياسية القاطعة ضدّ إسرائيل.
في العالم العربي، حيث يستأثر الديكتاتور بكل شيء، وحيث السلطة هي المعزّ المذّل، بلا حتى أي تجارب ديمقراطية طويلة عرفتها شيلي وكولومبيا لأكثر من 100 عام، ربما دفع روائي عظيم مثل عبد الرحمن منيف ثمن قناعاته السياسية، فلم يلمع لمعانًا يتناسب مع موهبة أبدعت خماسية مدن الملح، أو محمد البساطي الذي لم يحصل أبدًا على اللمعان الذي يستحق، يمكننا أن نذكر من باب الموضوعية أنه ربما كانت شخصية الكاتب العازفة عن الأضواء، البعيدة عن التكالب، هي سبب أيضًا في حالة مثل هذه.
يبدو أحيانًا غريبًا أن نجد العديد من الكتّاب الذين بنوا شهرتهم على المعارضة السياسية، سواء إبداعيًا أو صحافيًا، ينحازون للديكتاتوريين في عالمنا العربي. بعص المبدعين، كحالة الراحل الكبير أحمد فؤاد نجم، الذي جادل دومًا بأن الحقيقة في إبداعه، وليست في تصرفات عابرة، أو تصريحات صحافية ربما ينساها الناس، أم هل هي رؤية إنسانية لها عمقها، حتى وإن اختلفت معها، مثل ماركيز؟ أم هو خوف أو رعب من بطش سلطة تملك كل شيء؟ أم هو ذكاء في التعامل مع السلطة، وجذب لبعض من لمعانها إلى لمعانه، وثقة بأن الموهبة تغفر كلّ شي؟!
مثلا لا يتذكر أحد الآن انحياز يوسف إدريس لجانب أنور السادات في تظاهرات العام 1977، ولكن، من يتذكر يوسف إدريس الآن؟!
وهناك مثال لنجيب محفوظ، الأعظم حاليًا بحكم تكريس النوبل، الذي احتفظ دومًا بمسافة آمنة، وصاغ دومًا آراءه السياسية بنبرة ساخرة مازحة، ادعى أحيانًا يسارية، لكن كلّ الناس علمت أنه وفدي ليبرالي. ترأس الرقابة وكتب "ثرثرة فوق النيل"، وعندما سئل من قيادة سياسية قال بضحكة عالية "ده كلام حشاشين". عندما مات جمال عبد ناصر قال في قهوة ريس الشهيرة "وكأنه حمل وقد انزاح من فوق دماغي"، ولكنه لم يكتب ذلك في مقال، طبعًا.
لسنا مجبرين على أن نكون ماركيز أو بورخيس أو محفوظ، لكل خياراته. وبالطبع لسنا عبيدًا لتاريخنا الشخصي، بعض من
الحصافة قد تنقذنا من عبث تناقض، أحيانًا.
................................................................
نشر في ملحق الثقافة بجريدة العربي الجديد في العام ٢٠١٥
يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا
↧
A Picture.
↧
↧

















